الباب الثالث: الأداء والحوار في الحديث النبوى
الفصل الأول: الأداء في الحديث النبوى
النبى - صلى الله عليه وسلم - مبين عن الله حيث يقول تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44) ، وهو - صلى الله عليه وسلم - مبلغ عن الله أيضًا حيث يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (المائدة: 67) ، وهو - صلى الله عليه وسلم - شاهد، ومبشر، ونذير، وداع إلى الله بإذنه، وسراج منير حيث يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} (الأحزاب: 46،45) ، ومن كان عمله البيان والبلاغ والإنذار والتبشير والدعوة كما نطق القرآن فلابد من أن يؤهل بما يعينه على أداء هذه المهمة الجسيمة، ولقد أعان الله رسوله، وأيده بالحق، والمنطق، والحجة، فكان رسول الله في شخصه في قمة البيان والفصاحة، وكان في منهجه الدعوى في أعلى درجات الأداء والبيان عن الله عز وجل
ففيما يتعلق بمنطقه وتمام آلة البيان عنده - صلى الله عليه وسلم:
فلقد كان ضليع الفم [1] يستعمل فمه كله إذا تكلم، ولا يقتصر على تحريك الشفتين فحسب وكان يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه [2] ، وكان رسول الله أفلج الثنيتين إذا تكلم رئى كالنور يخرج من بين ثناياه [3] ، وكان في كلامه - صلى الله عليه وسلم - ترتيل وترسيل [4] وكان طويل السكوت [5] لا يتكلم في غير حاجة، وإذا تكلم لم يسرد سردًا كما قالت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها:
(1) رواه مسلم من حديث جابر بن سمرة 7/ 84
(2) ينظر وصفه صلى الله عليه وسلم في حديث هند بن أبى هالة، وإسناده ضعيف.
(3) أخرجه الترمذى في الشمائل من حديث ابن عباس، وأخرجه الدارمى في سننه، وقال الطبرانى لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به إبراهيم الحازمى، وفى إسناده عبد العزيز بن أبى ثابت بن عمران، وهو متروك الحديث. ينظر المشكاة ح (5797) 11/ 24. والأفلج: من الفلج بالتحريك وهو فرجة ما بين الثنايا والرباعيات، و الفرق: فرجة بين الثنيتين.
(4) أخرجه أبو داود من حديث جابر، وفى إسناده مجهول. ينظر المشكاة ح (5827) 11/ 83. ترتيل القراءة: التأنى والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيهًا بالشعر المرتل، وهو المشبه بنور الأقحوان، يقال: رتل القراءة وترتل فيها. والترسيل: الترتيل، يقال: ترسل الرجل في كلامه ومشيه إذا لم يعجل، وهو والترتيل سواء. ينظر حاشية الطيبى على المشكاة 11/ 38
(5) أخرجه أحمد من حديث جابر بن سمرة، وهو في صحيح الجامع الصغير ح (4822) ، وفى المشكاة ح (5826) 11/ 38