لقد كان النبى - صلى الله عليه وسلم - برسالته وأخلاقه ودعوته وبيانه نقطة تحول في تاريخ البشرية جمعاء، ومما هو جدير بالذكر أن نكون على علم بأن أثر دعوته - صلى الله عليه وسلم - لا يقف عند توحيد الله، وإصلاح الأخلاق والمجتمع، وإقامة شعائر الدين، بل يمتد هذا الأثر ليشمل إصلاح المنطق [1] وأداء البيان على الوجه السديد، والسمت الحسن، ولهذا جاءت أحاديث تمدح البيان السديد، وتذم التكلف، وتدعو إلى الاعتدال، وعدم الخروج على الطبع في الكلام، وفى الأداء. فمما جاء في مدح البيان وذم التكلف قوله - صلى الله عليه وسلم:"إن من البيان لسحرًا" [2]
والبيان: إظهار المعنى المقصود بأبلغ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب، وأصله: الكشف والظهور، وهذا الحديث بما فيه من بلاغة [3] قد يكون المقصود منه ذم التصنع في الكلام والتكلف لتحسينه ليروق للسامعين قوله، وليستميل به قلوبهم، وأصل السحر في كلامهم: الصرف، وسمى السحر سحرًا لأنه مصروف عن جهته، فهذا المتكلم ببيانه يصرف قلوب السامعين إلى قبول قوله- وإن كان غير حق - فقد يحيل الشئ عن ظاهره ببيانه، ويزيله عن موضعه بلسانه إرادة للتلبيس عليهم فيصير بمنزلة السحر الذى هو تخييل لما لا حقيقة فيه له [4]
وقد يكون المقصود مدح البيان، والحث على تحسين الكلام، وتحبير الألفاظ لأن أحد القرينين وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -"إن من الشعر حكمة" [5] على طريق المدح فكذلك القرين الآخر [6] وسواء أكان المقصود هو ذم التكلف والتصنع في الكلام أو مدح البيان فهذا الحديث دليل من أدلة عناية
(1) أى الكلام، ومنه قوله تعالى على لسان سليمان عليه السلام: (وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير ... ) (النمل: 16) والمنطق: كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد. وقد ترجم يعقوب بن السكيت كتابه إصلاح المنطق وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم. ينظر الكشاف 3/ 358, والمعجم الوسيط ص 931
(2) أخرجه البخارى من حديث ابن عمر. المشكاة ح (4783) 9/ 94
(3) حيث جاءت"من"هنا للتبعيض، والكلام فيه تشبيه، وحقه أن يقال: إن بعض البيان كالسحر فقلب وجعل الخبر مبتدأً مبالغة في جعل الأصل فرعًا والفرع أصلًا، ووجه التشبيه يتغير بتغير إرادة المدح والذم. ينظر شرح الطيبى على المشكاة 9/ 94
(4) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 9/ 95
(5) أخرجه البخارى من حديث أبى بن كعب. مشكاة المصابيح ح (4784) 9/ 96. وأصل الحكمة: المنع وبها سميت اللجام حكمة لأنه بها يمنع الدابة.
(6) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 9/ 95,94