فهرس الكتاب
الفصل الأول: أسباب بلاغته - صلى الله عليه وسلم:
النبى - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين نشأ في أمة صناعتها البيان، والفصاحة أكبر أمرهم، والكلام سيد عملهم، ولقد حمل أعباء الرسالة العظيمة لينذر الناس جميعًا، ومن هنا فلابد من الإعداد المناسب لأداء هذه الأمانة، ولابد من توفير الأسباب، وتهيئه الظروف التى تساعد على أداء هذه المهمة العظيمة الجسيمة، وهى هداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ولأجل ذلك كانت هناك عوامل وأسباب أثرت في بلاغته - صلى الله عليه وسلم -، وسأكتفى هنا بالإشارة إلى أبرزها مراعيًا الترتيب بين هذه العوامل في حياته - صلى الله عليه وسلم -.
أولًا: النشأة والبيئة:
وهذه الناحية لها أثر كبير في بلاغته - صلى الله عليه وسلم -، فاكتساب المنطق واللغة يرجع للطبيعة والمخالطة والمحاكاة، والنبى - صلى الله عليه وسلم - نشأ وتقلب في أفصح القبائل وأخلصها منطقًا، وأعذبها بيانًا، فكان مولده في بنى هاشم، وأخواله في بنى زهرة، ورضاعه في بنى سعد، ومنشؤه في قريش، ومتزوجه في بنى أسد، ومهاجرته إلى بنى عمرو وهم الأوس والخزرج من الأنصار، لم يخرج عن هؤلاء في النشأة واللغة، ولقد كان في قريش وبنى سعد وحدهم ما يقوم بالعرب جملة، ولقد جاء في الحديث:"أنا أفصح العرب بيد أنى من قريش، ونشأت في بنى سعد بن بكر" [1] ، وبنو سعد بن بكر كانوا من العرب الضاربة حول مكة، وكان أطفال القرشيين يتبدون فيهم وفى غيرهم يطلبون بذلك نشأة الفصاحة [2] ، والرواة جميعًا على أن بنى سعد بن بكر خصوا من بين القبائل بالفصاحة والبيان.
وهذا الجانب من حياته - صلى الله عليه وسلم - لم يطعن فيه مشرك من المشركين لأنهم يعلمون نشأته وفصاحته، لأنه لم يخرج من بين أظهرهم، ولا جلا عن أرضهم، ففصاحته
معلومة للخاص والعام منهم، وولادته ونشأته مما لا يخفى على أحد؛ ولهذا لم يجد أعداء الإسلام مغمزًا يطعنون به في بلاغته وفصاحته لأنهم كانوا يعلمون أنه على حد الكفاية فيهما.
(1) والحديث إسناده ضعيف. رواه الطبرانى في الكبير (5437) وقال الهيثمى في مجمع الزوائد: فيه مبشر ابن عبيد. متروك، وذكره العراقى في تخريج الإحياء، والعجلونى في كشف الخفاء بلفظ:"أنا أعرب العرب"
(2) قال الرافعى رحمه الله:"ولا يزال كبراء مكة يرسلون أحداثهم إلى أماكن هذه الفبائل من البادية، وخاصة إلى فبيلة عدوان في شرق الطائف، وهى قريبة من بنى سعد، وإنما يطلبون بذلك إحكام اللهجة العربية، وصحة النشأة، وحرية النزعة وما إليها مما هو الأصل في هذه العادة التى يتوارثونها في التربية من قديم. ينظر إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ص 237"