تطرقت في الفصل السابق للحديث عن أثر القرآن في بلاغته - صلى الله عليه وسلم -، وهنا أشير إلى التفسير النبوى للقرآن الكريم، ومن خلال هذا الفصل سيتضح لنا مدى تأثير القرآن في بلاغة النبى - صلى الله عليه وسلم -، كما سيتضح لنا أن البيان النبوى إنما هو قبس من نور القرآن وهديه لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - مبين ومفصل لما أجمل في القرأن [1] وسنلمح دقة البيان النبوى في توجيه المعنى في الآيات موضع التفسير، كما سنلمح دقته في اختيار الألفاظ التى تعبر تعبيرًا دقيقًا عن المعنى الذى يقصده القرآن، وسأتناول في هذا الفصل بعض هذه المواضع لا كلها لأنها تحتاج إلى دراسة مستقلة، وهنا أكتفى بالخطوط العريضة، والإشارات السريعة مع التعليق على ما يستحق التعليق.
ولكن لابد من ذكر بعض الضوابط فيما يتعلق بالتفسير للقرآن، وذلك قبل ذكر الأمثلة وأبدأ بما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية عن أصح الطرق لتفسير القرآن، يقول:"إن أصح طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر. فإن أعياك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له. بل قال الإمام الشافعى: كل ما حكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو مما فهمه من القرآن. قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} (النساء: 105) وقال تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (النحل: 64) ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم:"ألا إنى أوتيت الكتاب ومثله معه" [2] يعنى السنة. والسنة تنزل عليه بالوحى كما ينزل القرآن، إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن (ولهذا تسمى بالوحى غير المتلو) ، وقد استدل الإمام"
(1) وعن بيان السنة للقرآن يقول ابن القيم:"والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها. الثانى: أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له. الثالث: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه، ولا تخرج عن هذه الأقسام، فلا تعارض القرآن بوجه ما"إعلام الموقعين 2/ 263، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ص 562. هذا ولقد ذكر الشيخ سلمان العودة أن أنواع بيان السنة للقرآن على أربعة أضرب: الأول: بيان القرآن بالقول. الثانى: ما جاء في السنة النبوية استنباطًا واستقراءً من القرآن الكريم. الثالث: بيان أسباب نزول القرآن الكريم. الرابع بيان القرآن بالفعل. ويراجع التفسير النبوى للقرآن ص 38 - 55 - إعداد المكتب العلمى بموقع الإسلام اليوم.
(2) رواه أحمد وأبو داود عن المقدام بن معد يكرب كما في صحيح الجامع الصغير ح (2643) .