فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 215

ولنخط خطوة أخرى قبيل نزول الوحى عليه - صلى الله عليه وسلم -، فلقد حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بنفسه في غار حراء [1] فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالى ذوات العدد حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، وهذا التعبد قبل النبوة من صفاء الفطرة ونقائها، ومن التفكر والتأمل في الكون، والانقطاع عن مألوفات البشر في هذه الخلوة، وله أكبر الأثر في خشوع القلب، وصفاء الذهن، واستنارة القلب بنور الغيب.

ولقد لاحظت أم المؤمنين خديجة رضى الله عنها - وهى الزوجة الوحيدة التى كانت مع النبى قبل النبوة وبعدها بفترة من الزمن - لاحظت هذه الفطرة النقية فيه قبل النبوة، ولاحظت هذا الاصطفاء من الله، فقالت لما أخبرها النبى - صلى الله عليه وسلم - بخبر الوحى في الغار:"كلا والله لا يخزيك الله أبدً، إنك لتصل الرحم، و تصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق" [2] "ولقد قال أبو سفيان لهرقل لما سأله هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، وهل يغدر؟ قلت: لا" (5)

فهذه الشواهد والحقائق التاريخية الصحيحة الثابتة يتضح لنا من خلالها صفاء الفطرة

النبوية ونقاءها، وتتجلى لنا من خلالها العناية الإلهية، و يتجلى الإعداد الرباني والاصطفاء للنبى - صلى الله عليه وسلم -، وهذا كله مما أثر في بلاغته - صلى الله عليه وسلم -.

ثالثًا: نور القرآن وهديه:

لقد اختارالله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من بين آلاف الفصحاء من قومه ليعجزهم بفصاحة القرآن، ووكل إليه أن يفسر كتابه، ويبين وحيه حين قال في محكم التنزيل: { ... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44) ، وحين قال: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ

(1) وهو جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال عن يسار الذاهب من مكة إلى منى.

(2) لا يخزيك: بضم الياء من الخزى وهو الفضيحة والهوان. والكل: الثقل، ويدخل في حمل الكل الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك، وهو من الكلال: أى الإعياء. وتكسب: بفتح التاء هو الصحيح المشهور، وروى بضمها، ومعناه بالضم تكسب غيرك المال وتعطيه إياه تبرعًا، ومعنى الفتح كمعنى الضم، والنوائب: جمع نائبة وهى الحادثة، وإنما أضيفت إلى الحق لأن النائبة قد تكون في الخير وقد تكون في الشر. وأرادت أنك ممن لم يصبه مكروه لما جمع الله فيك من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشمائل، وفيه أعظم دليل، وأبلغ حجة على كمال خديجة رضى الله عنها، وجزالة رأيها، وقوة نفسها، وثبات قلبها، وعظم فقهها. وهذا الحديث متفق عليه من حديث عائشة ويراجع شرحه في شرح الطيبى على المشكاة ح (5841) 11>44 - 53, وفتح البارى 1>30

(5) متفق عليه من حديث ابن عباس. المشكاة ح (5861) 11/ 74 - 77

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت