الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (مريم: 97) ، وحين قال: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ(آل عمران: 164) إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بعمل الرسول في الإبلاغ والتبيين والهداية والتوجيه ... ، ولقد مكن الله لنبيه في منبته ونفسه بما بهر به العقول إقناعًا وإفحامًا ... ، ولقد أخذت آيات القرآن تتوالى فكانت الإجابة الشافية لكل ما جاش في صدره من خواطر، وفتح الرسول عينيه على هذا البيان الهابط من أرفع سماوات، فإذا به ينقذه من حيرته، ويجيب على أسئلته، ويؤيد وجهة نظره في الحياة والأشياء، ألم يكن النبى - صلى الله عليه وسلم - ينأى عن الأصنام؟ لقد نزل بيان السماء بتحريم عبادة الأصنام، ألم يكن يشيح عن العصبية الحمقاء والتعالى بالانساب؟ لقد نزل بيان السماء بأن الناس من أصل واحد من ذكر وأنثى. إن العناية التى استخلصته لرسالة السماء قد طبعت حياته بطابع السماء حتى إذا جاء زمان الدعوة صادف القرآن نفسًا ظامئة، وقلبًا تائقًا، وروحًا متطلعًا، فروى الظمأ، وشفى الغليل، وكان ذلك كله التفسير الصادق لقول الله: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى} (الضحى: 7) ... ولقد كانت معانى النبى - صلى الله عليه وسلم - في إرشاداتها ربانية، وكانت ألفاظه معرضًا رائعًا لمعانيه؛ إذ كان القرآن أستاذ معانيه فإن أثره عليه عظيم جليل، فكان القرآن يثبته بمثل قوله [1] : {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا * وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} [2] ، وكان يثنى عليه أعظم الثناء، قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4) إلى آخر ما جاء في القرآن من حديث عن النبى - صلى الله عليه وسلم -، ولو مكثنا نعدد المواضع التى جاء فيها ذكر النبى - صلى الله عليه وسلم - صراحة وإشارة لضاق بنا المقام، ولخرجنا عن مقصود البحث.
وكما أثر القرآن في النبى - صلى الله عليه وسلم - في هذه الناحية أى ناحية التوجيه والإرشاد والهداية والتثبيت إلخ أثر أيضًا في بيانه أعظم الأثر، فمثلًا ضرب الأمثال شائع في القرآن الكريم؛ وذلك لما للمثل من أثر في توضيح المعقول بالمحسوس، وتقريب الأمور وتوضيحها، وترسيخها في الأذهان [3] نجد النبى - صلى الله عليه وسلم - قد سلك هذا المسلك في دعوته، وفى بيان أمور الدين، وبيان خصال الخير التى يحبها الله
(1) الآيات من (73 - 77) من سورة الإسراء
(2) ينظر البيان النبوى ص 53 - 70
(3) ولقد جمع ابن القيم الأمثال القرآنية، وبين ما فيها من أسرار بلاغية في كتابه القيم الأمثال في القرآن - ط دار المعرفة - بيروت - تحقيق أ. سعيد محمد نمر.