فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 215

إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه. وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامة محض الإيمان [1]

ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" [2] فلقد اختلف العلماء في معنى الحديث، وفى المقصود بـ"المعى الواحد للمؤمن والأمعاء السبعة للكافر"ومما ذكروه: أولًا: أن الحديث خرج مخرج الغالب، وليست حقيقة العدد مرادة، وتخصيص السبعة للمبالغة في التكثير كما في قوله تعالى: { ... وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ... } (لقمان: 27) ، والمعنى أن من شأن المؤمن التقلل من الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة، ولعلمه بمقصود الشرع من الأكل، والكافرعلى خلاف ذلك. ثانيًا: أن المراد بالمؤمن في هذا الحديث التام الإيمان؛ لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده، فيمنعه الخوف، وكثرة الفكر، والإشفاق على نفسه من استيفاء شهواته. ثالثًا: أن المؤمن يسمى الله عند طعامه وشرابه فلا يشركه الشيطان، فيكفيه القليل، والكافر على العكس من ذلك. رابعًا: أن المؤمن يقل حرصه على الطعام، فيبارك له فيه وفى مأكله فيشبع منه، والكافر على العكس من ذلك. خامسًا: قال النووى: المختار أن المراد أن بعض المؤمنين يأكل في معى واحد، وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء ولا يلزم أن يكون كل واحد من السبعة مثل معى المؤمن. سادسًا: قال النووى يحتمل أن يراد بالسبعة في الكافر صفات هى: الحرص، والشره، وطول الأمل، والطمع، وسؤ الطبع، والحسد، وحب السمن، وبالواحد في المؤمن سد خلته إلخ ما ذكروه [3]

رابعًا: السمو والرفعة والشرف: فمعانى الحديث إما أن تدعو إلى فعل أمر من الأمور التى يرضاها الله ورسوله، وإما أن تدعو إلى ترك أمر من الأمور التى يبغضها الله ورسوله. فمعانيه سامية

(1) انظر صحيح مسلم بشرح النووى 2/ 154

(2) متفق عليه من حديث ابن عمر. أخرجه البخارى - كتاب الأطعمة - باب المؤمن يأكل في معى واحد - ح (5195) - 9/ 447,446, وأخرجه مسلم - باب المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة امعاء - 14/ 14 - 26. وفى رواية لمسلم من حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف وهو كافر، فأمر له رسول الله بشاة فحلبت، فشرب حلابها ... حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله بشاة فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله:"المؤمن يشرب في معى واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء"14 - 26

(3) انظر صحيح مسلم بشرح النووى 14/ 14 - 26, وشرح الطيبى على المشكاة 8/ 150, وفتح البارى 9/ 494 - 451, والمجازات النبوية ص 248

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت