رفيعة القدر، شريفة الذكر؛ لأنها تدعو إلى طريق الهدى والصلاح والإصلاح، وتحض على فعل الطاعات، وتنهى عن المعاصى والمنكرات. والاستدلال لهذا المعنى من السعة بمكان، ويكفى فيه مراجعة حديث في أمر من الأمور التى حض عليها الإسلام كصلة الرحم، والإحسان إلى الجار، والصدق في الحديث إلخ. ومراجعة حديث في نهى من النواهى التى أمر الشرع باجتنابها كالكذب، والغيبة، والحسد، والرياء إلخ.
خامسًا: القوة والفخامة، والعظمة والأصالة: فمعانيه قوية مجلجلة، أصيلة لأنها هادفة في كل ما تدعو إليه أو تنهى عنه، فكلها خير وهدى للناس. فهى تؤصل أصول الفضائل والأخلاق، وتدعو إلى ترك الرذائل وسوء الأخلاق، ولا نجد معنى في الحديث بغير هدف أو فائدة أوغاية نبيلة، بل على العكس إما أن تدعو إلى ترسيخ فضيلة أو محو رذيلة، وكلها صواب لأنها تدعو إلى سلوك الطريق القويم والصراط المستقيم، وكلها قوة لأنها تدعو إلى الهدى والصلاح في الدنيا لسعادة الآخرة، وهو أمر مهم وجد خطير لما في الصلاح من قوة للمؤمن على وجه الخصوص، وقوة للمجتمع على وجه العموم. وهذا ما أكسب معانى الحديث قوتها من ناحية وأصالتها من ناحية أخرى؛ لأنها خرجت من مشكاة النبوة على لسان من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى. فعصمة مصدرها، وسمو هدفها، وقوة تركيزها أكسبها الأصالة والقوة. والأمر هنا أوضح من الشمس لذى عينين فلا يحتاج إلى الاستشهاد له، فليأخذ المسلم أى حديث من الاحاديث، ويتأمل فيه ليرى هذه الخصيصة في المعنى [1]
(1) ولقد ذكر الأستاذ الدكتور / محمد لطفى الصباغ أن في معانى الحديث صفات قل أن تجتمع في كلام سواه. ومن هذه الصفات: الغنى في الأفكار، والعمق، والجدة، والانسجام، والتسلسل، والغوص في أعماق النفس الإنسانية، وملامسة أبعاد النفس. الحديث النبوى مصطلحه وبلاغته، وكتبه ص 54 - 58
(2) وذلك موضع الخلاف بين العلماء. أما اللغة فلم يتردد العلماء في اعتماد الحديث النبوى أصلًا أصيلًا من أصول المادة اللغوية. وقد أصبحت كتب غريب الحديث من المصادر التى رجع إليها مؤلفوا المعجمات في تصانيفهم حتى أصبحت هذه المعجمات زاخرة بالأحاديث النبوية، بل إن ابن منظور صرح في مقدمة لسان العرب بأنه جعل كتاب"النهاية في غريب الحديث"من مصادره. الحديث النبوى ص 114. وكذلك الاحتجاج بالحديث في البلاغة أو التفسير أو الأدب، لاخلاف في الاحتجاج به. فالخلاف في الاحتجاج بالحديث في النحو والصرف فقط؛ لأن هذين العلمين يعتمدان في وضع القواعد والأصول على ضبط أحرف الكلمات مفردة ومركبة، وأن أى تغيير في أبنية الكلمات أو في أواخرها يؤدى إلى تغيرها أو تغير حكمها الإعرابى ومعناها الذى جاءت له في العبارة. أما العلوم الأخرى فليس الهدف منها كالهدف من النحو والصرف.