وهذه الحادثة لشق الصدر [1] يكملها ما روته حليمة السعدية حيث قالت:"فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفى بهم [2] لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد [3] فقال لى ولأبيه: ذاك أخى القرشى قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه، فشقا بطنه فهما يسوطانه [4] قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائمًا منتقعًا [5] وجهه قالت: فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: مالك يا بنى، قال: جاءنى رجلان عليهما ثياب بيض فاضجعانى وشقا بطنى فالتمسا فيه شيئًا لا أدرى ما هو. قالت: فرجعنا به إلى خبائنا" [6]
"ولقد وقع حادث شق الصدر هذا في السنة الرابعة أو الخامسة من مولده - صلى الله عليه وسلم -" [7] وهذا الحديث وأمثاله مما يجب فيه التسليم، ولا يتعرض له بتأويل من طريق المجاز والاتساع؛ إذ لا ضرورة في ذلك؛ إذ هو خبر صادق مصدوق عن قدرة القادر. ويجدر بى هنا أن أنقل ما ذكره الطيبى حول قول جبريل:"هذا حظ الشيطان منك"لأنه متصل بما نحن بصدده تمام الاتصال. يقول:"قيل: إن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما كان بشرًا متعلقًا عما انعلق عنه سائر البشر، ولا ينكر ذلك لقوله تعالى:"
(1) ومما تجدر الإشارة إليه أن حادثة شق الصدر قد تعددت كما صح في رواية مسلم التى سبق ذكرها، وفى رواية البخارى عند المعراج به صلى الله عليه وسلم، ولقد ذكر البخارى حديث شق الصدر في كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلاة في المعراج - ح (345) 1>549, وذكره مسلم في كتاب الإيمان - باب الإسراء برسول الله 2>209 - 222، ولقد ذكر ابن حجر أن القاضى عياض رجح أن شق الصدر كان وهو صغير عند مرضعته حليمة، وتعقبه السهيلى بأن ذلك وقع مرتين وهو الصواب، فوقع شق الصدر وهو صغير، ووقع أيضًا عند البعثة كما أخرجه أبو داود الطيالسى في مسنده، وأبو نعيم، والبيهقى في دلائل النبوة، وذكر أبو بشر الدولابى بسنده أن بطنه صلى الله عليه وسلم أخرج ثم أعيد، وأنه ذكر ذلك لخديجة رضى الله عنها. ومحصله أن الشق الأول كان لاستعداده لنزع العلقة التى قيل له عندها: هذا حظ الشيطان منك. والشق الثانى كان لاستعداده للتلقى الحاصل في تللك الليلة. وقد روى الطيالسى، والحارث في مسنديهما من حديث عائشة أن الشق وقع مرة أخرى عند مجئ جبريل له بالوحى في غار حراء، وروى الشق أيضًا وهو ابن عشر أو نحوها في قصة له مع عبد المطلب أخرجها أبو نعيم في الدلائل، وروى مرة أخرى خامسة ولاتثبت. والشق الأول والثانى قد ثبتا في الصحيحين. يراحع صحيح مسلم بشرح النووى 2/ 209 - 222, وفتح البارى 1/ 549, 13/ 489
(2) أى صغار من الضأن مفرده بهمة، والذكر والأنثى في ذلك سواء.
(3) أى يسرع.
(4) يقال: سطت اللبن أسوطه إذا ضربته بعضه ببعض. واسم العود الذى يضرب به السوط.
(5) أى متغيرًا. يقال: انتقع لونه إذا تغير من حزن أو فزع، وكذلك امتقع بالميم.
(6) يراجع السيرة النبوية لابن هشام 1/ 165,164 ط الحلبى - ط ثانية - (1375) هـ (1955) م
(7) يراجع الرحيق المختوم ص 65