فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 215

فاجتمع هنا التكرار مع التأكيد ليبين أن إيذاء الجار مما يؤثر في إيمان المسلم، ولا شك أن إيذاء الجار من المعاصى التى تعم بها البلوى في كل مكان وزمان؛ وهذا ما تطلب التأكيد من النبى - صلى الله عليه وسلم - في أداء هذا الحديث لينبه إلى خطورة هذا الأمر.

وفى بر الوالدين يقول - صلى الله عليه وسلم:"رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أوكليهما فلم يدخل الجنة" [1] وهنا يكرر النبى - صلى الله عليه وسلم - قوله:"رغم أنف"ثلاث مرات، وهو دعاء بالذل والفقر: أى لصق بالرغام وهو التراب إشارة إلى شدة خسار من أدرك والديه أو أحدهما فلم يظفر ببرهما وصلتهما، وهذا أمر يتطلب التكرار لينبه المسلمين إلى اغتنام وجود الوالدين في الحياة بالبر والإحسان إليهما لأن رضاهما من رضا الله، فينبغى للمسلم أن لا يضيع هذه الفرصة الثمينة من يده، ومن ضيعها فقد ضيع خيرًا كثيرًا، وخسر خسرانًا مبينًا."والبر عند كبرهما وضعفهما يكون بالخدمة أو النفقة أو غير ذلك مما هو سبب لدخول الجنة، فمن قصر في ذلك فاته دخول الجنة وأرغم الله أنفه" [2] .

وفى مقام التحذير من خطورة قول الزور وبيان أنه من الكبائر يقول - صلى الله عليه وسلم:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟"- ثلاثًا - قلنا: بلى يا رسول الله. قال:"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس فقال:"ألا وقول الزور وشهادة الزور"فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت" [3] ويلاحظ أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد كرر كلامه فيما يتعلق بقول الزور أكثر من ثلاث مرات كما في هذه الرواية"فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت"والتكرار هنا كطريق من طرق الأداء يرمى النبى من ورائه إلى بيان تحريم قول الزور"وهو في أصله: تحسين الشئ ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق" [4] وما أخطر شهادة الزور على المجتمع! فبها تضيع الحقوق، ويظلم الناس، وتنتشر العداوة والبغضاء، ويظهر الفساد، وتضيع الأمانات ... ولأجل ذلك كله اعتمد النبى على طريقين من طرق"

(1) رواه مسلم من حديث أبى هريرة. كتاب البر والصلة - باب رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر. نزهة المتقين 1/ 257

(2) ومعنى رغم أنف: ذل، وقيل: كره وخزى، وهو بفتح الغين وكسرها وهو الرغم بضم الراء وفتحها وكسرها، وأصله لصق أنفه بالرغام وهو تراب مختلط برمل، وقيل: الرغم: كل ما أصاب الأنف مما يؤذيه. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 16/ 109

(3) متفق عليه من حديث أبى بكرة نفيع بن الحارث الثقفى. ويراجع تخريجه في نزهة المتقين 1/ 289,268

(4) يراجع صحيح مسلم بشرح النووى 2/ 84

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت