فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 215

النبوى منه ما اعتمد على صورة مشاهدة، ومنه ما كان عن طريق الخط والرسم، ومنه ما كان من خلال الربط الذهنى بين المعنى المقصود وصورة من الواقع.

أما عن التصوير المعتمد على مشهد من الواقع: فمن ذلك ما رواه عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قدم على النبى - صلى الله عليه وسلم - سبى، فإذا امرأة من السبى قد تحلّب ثديها تسعى إذا وجدت صبيًا في السبى أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته. فقال لنا النبى - صلى الله عليه وسلم:"أترون هذه طارحة ولدها في النار؟"فقلنا: لا وهى تقدر على أن لا تطرحه فقال:"لله أرحم بعباده من هذه بولدها" [1]

وهنا نلمح اغتنام النبى - صلى الله عليه وسلم - لهذه الفرصة وهذا المشهد ليبين من خلاله رحمة الله بعباده، وهنا ربط بين الصورة المشاهدة والمعنى المقصود، وهذا مما يرسخ المقصود في الذهن من خلال الصورة المشاهدة. فالمرء حين ينظر إلى الأم، وما جبلت عليه من الرحمة والعطف، وخاصة حين ترضع طفلها، وتضمه إلى صدرها، ويتأ مل في قوله - صلى الله عليه وسلم:"لله أرحم بالعباد من الوالدة بولدها"لاتضح له مبلغ رحمة الله بعباده، فهو سبحانه الذى غرس في قلب الأم وجوانحها عاطفة الأمومة بما فيها من حنان وعطف ورحمة وشفقة، بل هو الذى اختار للإنسان أمه وأباه، فكيف تكون رحمته عز وجل، إنها فوق ما يتصور المتصورون!!

وفى موقف آخر أراد النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يبين من خلاله هوان الدنيا على الله. فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بالسوق والناس كنفيه فمر بجدى أسك (صغير الأذن) ميت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال:"أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟"فقالوا: ما نحب أنه لنا بشئ، وما نصنع به؟ ثم قال:"أتحبون أنه لكم"قالوا: والله لوكان حيًا كان عيبًا أنه أسك، فكيف وهو ميت، فقال:"فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" [2]

المشهد التعليمى والتصويرى هنا الهدف منه بيان حقارة الدنيا من خلال النظر إلى صورة هذا الجدى الأسك الميت، وكلنا يعلم أن الميت من هذه الأنعام ينأى عنه الإنسان لنتن ريحه وعدم نفعه، فكيف إذا اجتمع نقص خلقته مع موته! فكذلك المسلم يجب أن ينأى عن الدنيا وزخرفها وزينتها فلا تفتنه وتصرفه عن طريق الهدى لهوانها على الله في جانب الآخرة، ونقص نعيمها إلى جانب نعيم الآخرة. ولقد اغتنم النبى - صلى الله عليه وسلم - رؤية هذا الذكر الميت من أولاد المعز ليؤدى إلى الصحابة هذا المعنى، ودائمًا ما ترتبط المشاهد التصويرية بمعانٍ مهمة يهدف البيان النبوى إلى توضيحها وترسيخها في النفوس من خلال ربطها بالصورة المشاهدة فلا يتطرق إليها النسيان.

(1) متفق عليه. المشكاة ح (2370) 5/ 137

(2) رواه مسلم في أول كتاب الزهد والرقائق. نزهة المتقين 1/ 351

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت