الكساد العام هو أن تترك المعاملة بالنقود المتداولة في جميع البلاد ويحل محلها نقد جديد.
فإدا كسد النقد في حين أن هناك من له دين في ذمة الغير سواء كان هذا الدين ناشئا من بيع أم قرض أم إجارة أم مهر مؤجل فهل يعطى المدين المثل أم القيمة اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال.
القول الأول: أنه لا عبرة بالكساد وليس للدائن إلا النقد المعين مادام أنه موجود وسواء أكان الدين من بيع أو إجارة أو قرض.
وهو المشهور عند المالكية والمعتمد عند الشافعية واستدلوا على ذلك:
-بأن النقود إذا كسدت ما هنالك أن تنقص قيمتها ولا يؤثر هذا النقص كما لا يؤثر رخص الحنطة والشعير الثابتين في الذمة.
-ولأن النقود تثبت في الذمة وما ثبت في الذمة وجب رد مثله لا قيمته.
-ولأن هذه مصيبة نزلت به فعليه أن يصبر كما في الجانحة.
-ولأنه كما لو أبدل السلطان المكاييل بأصغر أو أكبر أو الموازين بأنقص أو أوفى وقد وقعت المعاملة بينهما بالمكيال الأول فالعبرة حالة الوفاء به لا بالثانى فكذلك هنا.
القول الثانى: وهو للإمام أبى حنيفة حيث فرق الإمام بين كل من البيع والإجارة من ناحية والقرض من ناحية أخرى.
-ففى حالة البيع والإجارة: يفسد العقد إذا كسد النقد فإذا راج ذلك النقد عاد العقد صحيحا. ويقول ابن عابدين: ولو عادت"أى رجعت للرواج"لا يفسد. وفى حالة فساد عقد البيع إن كان المبيع قائما في يد المشترى ولم يتغير وجب رده إلى البائع أما إذا خرج من ملك المشترى أو تغير وجب دفع مثله إن كان مثليا وقيمته إن كان قيميا. ... أما في حالة فساد عقد الإجارة فالواجب أجر المثل وأما بالنسبة للقروض فالواجب مثل النقود المقرضة ولا عبرة بكسادها.
أدلة الإمام أبى حنيفة
استدلوا للبيع والإجارة: بأن ثمنية الدراهم والدنانير المغشوشة والفلوس ثبتت باصطلاح الناس عليها لا بالخلقة وانعقاد البيع أو الإجارة بالمغشوشة أو الفلوس لم يكن باعتبار مالية قائمة بعينها وإنما باعتبار مالية قائمة بصفة الثمنية فيها باعتبار رواجها فما دامت رائجة تبقى ماليتها وإذا انتقى الاصطلاح انتفت المالية فيبقى المبيع بلا ثمن فيفسد البيع وكذلك بالنسبة للإجارة. ... واستدل للقرض: بأن جواز الاستقراض في النقود لم يكن باعتبار صفة الثمنية بل لكونها من ذوات الأمثال ولذلك جاز الاستقراض في كل مكيل أو موزون أو عددى متقارب وبالكساد لم تخرج النقود من أن تكون من ذوات الأمثال ولذلك جاز استقراضها بعد الكساد بخلاف حالة البيع فإن دخولها في العقد هناك كان باعتبار صفة الثمنية وبانعدامها يفسد العقد.
ولأن القرض إعارة وموجبها رد العين معنى إذ لوكان استبدالا حقيقيا لاستلزم ربا النسيئة ألا إنه لما كان مضمون هذا العقد هو تمليك المنفعة بالاستهلاك لا مع بقاء العين لزم تضمنه تمليك العين فبالضرورة اكتفى برد العين معنى وذلك برد المثل.
مناقشة أدلته:
-النقود تثبت في الذمة وما كان في الذمة لا يحتمل الهلاك فلا يبطل البيع والإجارة لبطلان التعامل بالثمن.
-القرض يستلزم رد المثل هذا أمر مسلم به لكن بالكساد عجز عن رد المثل لخروج النقود عن الثمنية والنقود غير السلع فتجب على المدين قيمتها وهذه أدلة الفريق الثالث كما سنرى.
القول الثالث:
أنه إذا كسدت الدراهم والدنانير المغشوشة والفلوس وجب على المدين رد قيمتها من نقد آخر غير كاسد وتقدر القيمة يوم التعامل وهو يوم التعلق بالذمة ولا يجزى رد مثل الكاسد. وهذا هو قول أبى يوسف والراجح عند الحنابلة وهو قول غير مشهور عند المالكية. واستدلوا - بالإضافة لما ورد في مناقشة الإمام -بما يلى:
-القرض وإن لم يقتض وصف الثمنية إلا أنه لا يقتضى سقوط اعتبارها إذا كان المقبوض موصوفا بها لأن الأوصاف معتبرة في الديون المشار إليها فإن وصفها لغو لأنها تعرف بذواتها.