فهرس الكتاب
وبعض نصارى نجران وبعض نصارى اليمن، فإن كانت السورة مدنية أو كان هذا من المدني فلا إشْكال. فالمراد بالذين آتياناهم الكتاب الذين أوتوه إيتاء كاملًا، وهو المجرد عن العصبية لما كانوا عليه وعن الحسد، فهو كقوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} [سورة البقرة: 121] .فالأظهر أن المراد بالأحزاب أحزابُ الذين أوتوا الكتاب، كما جاء في قوله تعالى: {فاختلف الأحزاب من بينهم} " [1] "، أي ومن أحزابهم من ينكر بعض القرآن، فاللام عوض عن المضاف إليه. ولعل هؤلاء هم خبثاؤهم ودُهاتهم الذين توسموا أن القرآن يبطل شرائعهم فأنكروا بعضه، وهو ما فيه من الإيماء إلى ذلك من إبطال أصول عقائدهم مثل عُبودية عيسى عليه السلام بالنسبة للنصارى، ونبوءته بالنسبة لليهود."وكلام ابن عاشور موافق لأسباب النزول من كون السورة مكية وما ذكر عن أهل الكتاب واسلامهم انما كان بالمدينة. والى ذلك ذهب الطبري في تفسيره حيث قال: والذين أنزلنا إليهم الكتاب ممَّن آمن بك واتبعك، يا محمد، يفرحون بما أنزل إليك منه ومن الأحْزاب من ينكر بعضه، يقول: ومن أهل الملل المتحزِّبين عليك، وهم أهل أدْيان شَتَّى، من ينكر بعضَ ما أنزل إليك. فقل لهم: إنَّما أمرتُ، أيها القوم أن أعبد الله وحده دون ما سواه ولا أشرك به، فأجعل له شريكًا في عبادتي، فأعبدَ معه الآلهةَ والأصنامَ، بل أخلِص له الدين حَنِيفًا مسلمًا إليه أدعو، يقول: إلى طاعته وإخلاص العبادة له أدعو الناسَ وإليه مآب، يقول: وإليه مصيري واستند الطبري في ذلك الى قول قتادة الذي رواه عن بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك) ، أولئك أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فرحوا بكتاب الله وبرسوله وصدَّقُوا به" [2]
11 -في قوله تعالى: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) }
قال المفسر:
قال قتادة ومقاتل وابن جريج: الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن سهيل بن عمرو لما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» ، قالوا: لا نعرف الرحمن
(1) - في سورة مريم (37)
(2) - تفسير الطبري - (ج 16 / ص 473)