فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 262

قلت: قال سبحانه في معرض وصف القيامة"و تمور السماء مورا"و السماء يوم القيامة تنشق و تنفطر و تكشط تكون يومئذ واهية فالمختار في وصف المور للأرض هو الحركة و الاضطراب الذي تنشق منه الأرض و تنفطر و تكون واهية.

*** قال بن عاشور: وفرع على الخسف المتوقع المهدد به أن تمور الأرض تفريع الأثر على المؤثر لأن الخسف يحدث المور فإذا خسفت الأرض فاجأها المور لا محالة لكن نظم الكلام جرى على ما يناسب جعل التهديد بمنزلة حادث وقع فلذلك جيء بعده بالحرف الدال على المفاجأة لأن حق المفاجأة أن تكون حاصلة زمن الحال لا الاستقبال كما في مغني اللبيب فإذا أريد تحقيق حصول الفعل المستقبل نزل منزلة الواقع في الحال كقوله تعالى (ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون) وإذا أريد احتضار حالة فعل حصل فيما مضى نزل كذلك منزلة المشاهد في الحال كقوله تعالى (وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا) فكان قوله (فإذا هي تمور) مؤذنا بتشبيه حالة الخسف المتوقع المهدد به بحالة خسف حصل بجامع التحقق كما قالوا في التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وحذف المركب الدال على الحالة المشبه بها ورمز إليه بما هو من آثاره ويتفرع عنه فكان في الكلام تمثيلية مكنية.

*** و كما ذلل لكم الأرض لتسيروا فيها و تسعوا فيها هو قادر على أن يجعلكم تغورون في داخلها و تخسفون فكما أمشاكم على ظهرها هو قادر أن يسحلكم في بطنها وكيف للإنسان الضعيف الحقير الصغير أن يقاوم هذا؟ فحينها لا يجد شيئا يتمسك به و يتشبث بل الأرض تتحرك و تضطرب لتأخذه في أعماقها كلما تشبثت بشيء أو أمسكت بسبب زال معك و سقط و هوى و هكذا كل ما دون الله مما يتعلق به البشر إن أراد الله سبحانه أبطله و أزاله.

و قد عاقب الله رجلا متبخترا بالخسف قال صلى الله عليه و سلم:"بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة"أخرجه البخاري في الصحيح.

فالمشهد الذي تصوره الآية مشهد عظيم و هو مشهد الأرض تتحرك و تضطرب و ترتج لتأخذ الخلق في باطنها فمن يستطيع أن يسكنها؟ و من يملك لنفسه أو غيره النجاة؟ و ماذا يفعل؟ و بم يمسك؟

و الإنسان يألف ما يرى فقد جاء الإنسان للأرض و لم يخلق نفسه و مع ذلك ينكر البعث و النشور و هو يرى الأرض ساكنة و لا يتخيل أن الذي سكنها له قادر في أي لحظة أن يخسفها به.

فالإنسان يألف النعم و من رحمة الله أن وهبه ما لا يعده و لا يحصيه منها و لكن الله سبحانه إذا أراد أن يهلكه فما أيسر ذلك

والإنسان قد يخاف من عدو أو فقر أو مرض لأنها أغلب الابتلاءات و لكن لو تدبر الإنسان لعلم أن هناك ما هو أخطر من ذلك فالله قادر على أن يخسف به الأرض أو يرسل عليه حاصبا أو يصعقه بصيحة أو يغرقه بماء أو يقطعه بهواء أعني الريح قال سبحانه"قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ [النحل/26] "فالإنسان لا يملك الأرض التي يحيا عليها و لا الهواء الذي يتنفسه و لا الماء الذي يشربه و لا بدنه الذي يحيا به و لا روحه فضلا عن أن يملك أي شيء أو يحكم أي شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت