فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 262

ترى فيهم كبرا بدنياهم فتن به كثير من الخلق و كأنهم استندوا للركن الشديد و هم في الحقيقة اتخذوا أوهن البيوت و أوهن الحصون و الله من ورائهم محيط.

و لو دعوتهم للحق نفروا أشد النفور و كأن عندهم العلم المبين و خبر الأولين و الآخرين و هم في حقيقة أمرهم السفهاء الجاهلين هم أقسي ما يكون على المؤمنين و أخزى ما يكون على من فوقهم في دنياهم و منهم من جمع التكذيب مع فساد الباطن و خبث الطوية [1] فجمع شرا على شر و فسادا على فساد.

هم عبيد الدرهم و الدينار و القطيفة و الخميصة و الكرسي و العصا و هم عبد الطاغوت و مع ذلك هم متكبرين مستعلين بباطلهم قال سبحانه"و انطلق الملأ منهم أن امشوا و اصبروا على ألهتكم إن هذا لأمر يراد"و قال سبحانه حاكيا عن السحرة قبل إسلامهم"فألقوا حبالهم و عصيهم و قالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون"يقول فرعون"أنا ربكم الأعلى"و يقول"ما علمت لكم من إله غيري""ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا"

(1) الناس معادن و خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا كما ذكر النبي صلى الله عليه و سلم فمنهم من فيه من الخصال المحمودة و المكارم فإذا اسلم زاده الله بالإسلام خيرا و منهم غير ذلك فإذا اسلم هذب الإسلام بعض خصاله أو كلها أو قليل منها.

و هناك من الخلق من جمع الكفر و الخبث فهو شر الخلق فلا دين يردعه و لا خلق يصده بل هو كالحيوان البهيم لا يرده إلا العصا و القهر فإن تمكن فجبار متسلط لا يراعي دينا و لا رحما و هو مع عبد لمن غلبه.

فتجده أخبث ما يكون على من دونه و أذل من يكون على من فوقه و أنذل ما يكون حين تختبر الرجال و لأنه كذلك فهو لا يرى شرف الشرفاء و لا يقدر للمكارم قدرها بل لا ينظر إلا للعصا إن كانت في يده بطش بها و إن كانت عليه خضع لها فتراه يريد أن يذل الشرفاء بما ذل هو له.

و بين ذلك مراتب و لو أحببت النظر في مراتب أخلاق الرجال أعطيك مثلا:

الحسين بن علي بن أبي طالب - ابن بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم و أحد أحب الخلق إليه - لما سار لأهل الكوفة لينصروه بلغه في الطريق أنهم نكثوا عهده و أنهم قتلوا مسلم بن عقيل رسوله إليهم فهم بالرجوع إلا أن فريقا ممن معه كانت لهم أرحاما مع مسلم بن عقيل و هو ابن عم الحسين فقالوا لا نرجع حتى نأخذ بثأره.

فسار معهم الحسين رغم أنه يعلم أنه يسير إلى قوم نكثوا عهده و أعدوا عدتهم له و ما معه من أصحابه إلا قليل بالنظر إلى من يلاقيهم ممن أعده لهم عبيد الله بن زياد.

و لما خير الحسين رضي الله عنه عبيد الله بن زياد بين أمور ثلاثة:

1 -أن يرجع من حيث أتى.

2 -أب يلحق بالثغور.

3 -أن يذهب ليزيد.

فأبى عبيد الله إلا أن يضع الحسين رضي الله عنه يده في يده و يبايع ليزيد و لم يكن بن بنت رسول الله الذي يقبل الضيم بأن يبايع بمثل هذه الطريقة فأبى و قاتل رضي الله عنه حتى قتل كريما.

فأنظر إلى شرف نفسه و شجاعته و إباءه أن يترك أصحابه أو أن ينزل على حكم فيه ضيم و هوان و لو قتل فعاش كريما و مات محمودا رضي الله عنه و عن أباه و أمه و صلى الله على جده و على آل بيته أجمعين.

و في المقابل أنظر لعبيد الله بن زياد و صنيعه في عدم قبول خيارات الحسين الثلاث بل تزمت معه و تشدد بما لا يليق أن يعامل به آحاد الشرفاء فضلا عن أنه من آل البيت و أنه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم أو لم يسمع قوله تعالي لنبيه (ص) "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى"و لم يكن بن زياد الوحيد على ذلك بل كان معه جمع وافقوه و أعانوه و لو كانت قلوبهم كارهة.

فأنظر لشرف نفس الحسين و كيف جاد بنفسه؟

و أنظر لفعل ابن مرجانه - هو بن زياد - و تشدده مع الكريم بن الكريم بن خليلا الله سبحانه حتى قتله.

و بن زياد هذا عاين الصدر الأول و رأى أصحاب رسول الله و هو لم يأت بناقض للإسلام بل ظاهره أنه عاش و مات على الإسلام و لا نحكم إلا بهذا الظاهر و إن كان بغى و ظلم ظلما عظيما و قد سلط الله عليه من يقتص منه فقتل و قطعت رأسه في نفس اليوم الذي قتل فيه الحسين و هو يوم عاشوراء بعد مرور ستة سنوات من مقتل الحسين.

فالحسين عاش كريما و مات بطلا و ابن مرجانه عاش وضيعا حتى أهلكه الله سبحانه.

و هيهات هيهات أن يساوى بن بنت رسول الله و سيدة نساء العالمين فاطمة بن مرجانه و لو كان الثاني القاتل و الأول مقتولا.

و الخلاصة أن الناس معادن والإسلام يهذب و ينقي النفوس فمن أسلم و فيه من الخير زاده الله خيرا و الكافر فيه الشر الأكبر فإن جمع معه خبث النفس و دناءتها فقد جمع عظيم الشر لذلك ترى منه الفجور العظيم و هذه النكتة هي المقصودة و التي أطلنا الشرح كي نبينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت