• وقد بلغ - صلى الله عليه وسلم - في أدبه مع ربِّه ذروة سنامه، وحقَّق غاية كماله، بحسن صحبته مع ربِّه عزَّ وجلَّ؛ بإيقاع جميع حركاته الظاهرة والباطنة على مقتضى تعظيمه وإجلاله والحياء منه سبحانه؛ فصان معاملته ربِّه أن يشوبها بنقيصةٍ، وصان قلبه أن يلتفت إلى غيره، وإرادته أن تتعلق بغير مراده.
• ولم يجاوز - صلى الله عليه وسلم - ببصره ولا ببصيرته شيئًا لم يأذن ربُّه به؛ قال تعالى في وصف حاله؛ عند ارتقائه الدرجات العلى، في رحلة المعراج: {مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى} . [النجم: 17] .
وزيغ البصر: التفاته جانبًا، وطغيانه: مدُّه أمامه إلى حيث ينتهي.
وفي هذه الآية أسرار عجيبة، وهي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل ... البشر - صلى الله عليه وسلم -.
فنفى ربُّه عز وجل عنه - صلى الله عليه وسلم - ما يعرض للرائي الذي لا أدب له، بين يدي الملوك والعظماء؛ من التفاته يمينًا وشمالًا، ومجاوزة بصره لما بين يديه، وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام، إذ لم يلتفت جانبًا، ولم يمدَّ بصره إلى غير ما أري من الآيات، وما هناك من العجائب؛ بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه إطراقه وإقباله على ما رأى، دون التفاته إلى غيره، ودون تطلُّعه إلى ما