فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثَّعالب.
فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة ٍقد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.
فناداني ملك الجبال، وسلَّم عليَّ ثمَّ قال: يا محمَّد، إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربُّك إليك لتأمرني بأمرك؛ فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟»
فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» [1] .
• ولاشك أن صبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أمر الدعوة مدعاة ٌإلى التأسِّي به، والسير على نهجه - صلى الله عليه وسلم -، وعدم الانتصار للنَّفس.
• ولم يقف الأمر عند هذا الحدِّ، ولم يدركوا مثل هذا الصبر عليهم، ولم يقدِّروا صفحه عنهم؛ بل تآمروا على قتله - صلى الله عليه وسلم -، فلما أجمعوا أمرهم على ذلك؛ آذنه الله بالهجرة، فهاجر إلى المدينة؛ لينتقل - صلى الله عليه وسلم - إلى نوع آخر أشد من الأذى والابتلاء؛ من اليهود ومن المنافقين، الذين كانوا يكيدون له، ويحيكون المؤامرات ضده، ويتتبعون عورات المسلمين، ويدلُّون
(1) أخرجه البخاري (3231) ، ومسلم (1795) ، و (الأخشبان) : الجبلان المحيطان بمكة، وهما أبو قيس والأحمر؛ سمِّيا بذلك لصلابتهما وغلظ حجارتهما. والأخشب: كلُّ جبل خشنٍ غليظ الحجارة.