فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 183

5.قوله (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء) تقابل لطيف بين الجملتين، وهو فن من الفنون البديعية ويسمى (المقابلة) فقد قابل بين (أصبحت) و (أمسيت) ، وبين (الصباح) و (المساء) إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح.

وتعريف المقابلة: أن يؤتى بمعنيين متوافقين، أو معان متوافقة ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب كقول المتنبي

أزورهم وسواد الليل يشفع لي وأنثني وبياض الصباح يغري بي

6.قوله (من صحتك لمرضك) طباق، ومثله (حياتك لموتك) وهو طباق إيجاب.

التعريف براوي الحديث:

هو (عبد الله بن عمر بن الخطاب) رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة ويكنى (أبا عبد الرحمن) ولد قبل البعثة بسنة، وأسلم مع أبيه عمر بمكة وهو صغير، وهاجر إلى المدينة قبله، ولكنه لم يشهد غزوة بدر لأنه كان صغير السن، وفي أحد كان عمره 14 عاما فاستصغره النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم بلغ في عام الخندق خمسة عشر عاما فأجازه - صلى الله عليه وسلم -، ثم لم يتخلف بعد عن سرية من سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال - صلى الله عليه وسلم - لشقيقته حفصة"إن أخاك رجل صالح لو أنه يقوم الليل"فلم يترك قيام الليل بعد ذلك أبدا، وكان من فقهاء الصحابة ومن المفتين منهم والزهاد، اعتزل الفتنة فلم يقاتل مع (علي) ولا مع (معاوية) ، وكان يحج كل عام حتى بلغت حجاته (60) حجة واعتمر ألف عمرة، فكان من كبار العباد، مات بمكة سنة /73/ هجرية عن 86 سنة، وقد مات شهيدا وسبب موته أن الحجاج سفه عليه ذات مرة فقال له ابن عمر: أنك سفيه، مسلط فصعب ذلك على الحجاج فأمر رجلا فسم رمحه ووضعه على قدمه في الطواف فالتهب الجرح وتسمم ومات رحمه الله ودفن بمكة رضي الله عنه وأرضاه.

الشرح الأدبي:

مع هذا التوجيه النبوي الكريم، والإرشاد الصادق الحكيم .. تتربى في نفس المؤمن روح الجهاد والكفاح، والزهد في هذه الحياة الزائلة الفانية، فليس المؤمن كغيره من أفراد الناس، يكد ويكدح، ويشقى وينصب في سبيل حطام الدنيا، وجمع ما فيها من ثروة ومال .. بل إن له نفسا تواقة إلى المعالي، تترفع به على سفاسف الأمور وتعلو به إلى مدارج الرقي والكمال، إلى أجواء قدسية من حب الخير والفضيلة والبحث عما تتوق إليه النفس الكريمة من صالح الأعمال ..

على هذه التربية الكريمة نشأ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعليها درجوا، فكانوا مصابيح تضيء للناس في ظلمات هذه الحياة، ولا عجب فلقد اقتبسوا ذلك من معين النبوة، ومنبع الفضل والكمال، فهذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يربي أصحابه تربية إنسانية كاملة .. يعلمهم كيف يكونون جنودا للحق، وأنصارا للدعوة، يزهدون في هذه الحياة الدنيا، فيضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، ويتسابقون للآخرة، ليكونوا حملة رسالة، وقادة أمة ودعاة خير وإصلاح .. واضعين نصب أعينهم قول الله تبارك وتعالى"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة"، فما كانت الحياة تشغلهم، وما كانت الدنيا تفتنهم عن واجب الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله لإعلاء دينه، ورفع منار الإسلام .. !

ولقد أحسن القائل حين قال:

"كأنهم في ظهور الخيل نبتُ ربي منْ شدة الحزْم لا من شدة الحُزُم"

لقد كانت تربية النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه تربية مثالية كريمة .. تربية فيها الشجاعة والبسالة، وفيها العزم والحزم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت