فهرس الكتاب
وفيها الزهد والعفاف، ولذلك فقد كانوا رجالا وأبطالا فتحوا الدنيا، وسادوا العالم بتلك المعاني النبيلة التي غرسها في قلوبهم المربي الأول محمد - صلى الله عليه وسلم - هذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوجه ذلك الشاب المؤمن (عبد الله بن عمر) الوجهة الفاضلة الرشيدة، فيمسك بمنكبه ـ مؤانسا ومسليا ـ ثم يقول له تلك القولة الكريمة الهادفة (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور) .
ما أجملها من نصيحة، وما أكرمها من قولة!! وحقا إنها للفتة سامية هادفة، ونصيحة ثمينة غالية، يقدمها الرسول الكريم لهذا الشاب المؤمن الذي ملأ الإيمان قلبه، وغمر اليقين نفسه، فيحرك فيه بواعث الخير، ويفجر فيه ينابيع الإيمان والفضيلة.
ولقد كان لهذه التربية ولهذا التوجيه أثر في نفس الشاب المؤمن فإن هذه الباقة الجميلة التي قدمها له مربي الإنسانية ومهذب البشرية محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - قد أعطت ثمراتها اليانعة، فوقعت في نفسه موقعا عظيما، وتقبلها تقبلا حسنًا.
لقد جمعت هذه الكلمات القلائل أنواع النصائح، فالغريب الذي قدم بلدا غير بلده، لامسكن له فيه يؤمه ولا صديق يواسيه، ولا أحد من الأهل والأولاد يؤانسه، كيف يكون حاله، ألا يشعر بالوحشة والغربة، ويتمنى العودة إلى الأهل والأوطان؟! وهل يكون له رغبة في البقاء بأرض الغربة والإقامة فيها؟!
والإنسان الذي انتقل من هذه الدار ـ دار الفناء ـ وأصبح في دار البقاء هل يبقى له طمع في جمع الأموال وتكديس الثروات، أم يصبح همه في نيل رحمة الله ورضوانه، ويتمنى العودة إلى الدنيا ليكثر فيها من صالح الأعمال!!
فلله ما أعجب هذه الحياة الدنيا، وما أتفهها وأحقرها إن لم يغتنم منها الإنسان ويتزود بصالح الأعمال!! وهل هذه الدنيا إلى دار الغرور، يركن إليها الغافل، ويغتر فيها الجهول، ولله در القائل حيث يقول:
تعب كلها الحياة فما أعجب ... إلا من راغب في ازدياد
وبهذه المعاني السامية، انطلقت نفس هذا الغلام اليافع وترددت على لسانه، تلك الكلمات العظيمة الرائعة، التي هي ثمرة التربية النبوية الصادقة: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)
فلله ما أسماها من نصيحة، وما أصدقها من تربية!!
(3) المعركة الفاصلة
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
(لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتُلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي تعال اقتله، إلا الغرْقد فإنه من شجر اليهود)
"رواه مسلم"
الأبحاث العربية: