فهرس الكتاب
وفي هذه الآونة الحرجة من حياة العرب والمسلمين، بعد أن استولى شُذَاذ الآفاق على جزء كبير من فلسطين، واحتلوا أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وعاثوا في الأرض فسادا، وبعد أن شعر المسلمون بفداحة الكارثة وعظم المصيبة، وتجرعوا كؤوس الحسرة والأسى، وذاقوا طعم الذل والهوان، بعد هذا تأتي بشائر النصر، ومواكب الخير والنور، تبشر بعودة الديار السليبة التي اغتصبها الصهاينة المجرمون، وبانتصار الحق المهان وعودته إلى أصحابه ـ أصحاب العقيدة الراسخة ـ من المجاهدين المسلمين الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادًا!
إنها لبشارة عظيمة من نبي صادق عظيم، تأتي في هذه الفترة العصيبة التي تكاد تأخذ بالخناق، والتي يشعر فيها المسلم بالأسى يعتصر قلبه، والحزن يحيط به من كل جانب، فلا يستطيع أن يتنفس، ولا يستطيع أن يبتسم، ومن حوله إخوة له في العقيدة والذين مشردون .. وفي هذه الآونة العصيبة تأتي بشارة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن الدنيا لا يمكن أن تزول حتى تقع المعركة الفاصلة بين المسلمين واليهود، التي ينتصر فيها جند الرحمن على جند الشيطان، وتكون فيها الغلبة لعباد الله المؤمنين تصديقا لقوله تعالى"وإن جندنا لهم الغالبون" [1] وقول جل ثناؤه"وكان حقا علينا نصر المؤمنين" [2] .
وإذا كانت فلسطين قد ضاعت، وإذا كانت القدس قد ذهبت، بسبب تآمر أعداء الإسلام عليها، وتعاون بعض الخونة معهم، مما أدى إلى ضياع فلسطين وذهاب المسجد الأقصى، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ليبشرنا هنا في هذا الحديث الشريف بأن المعركة لم تنته بعد، وأن النهاية ستكون بانتصار الإسلام والمسلمين، وستظهر بعض العجائب والأمور الخارقة في ذلك الحين، حين يتكلم الجماد، وينطق الشجر والحجر، فيقول: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، إلى ذلك الشجر الخبيث الذي يشبه اليهود في خبثهم ولؤمهم ألا وهو شجر (الغرقد) فإنه لا ينطق إذا اختفى وراءه أحد من اليهود.
وهنا نقطة هامة ينبغي التنبه لها .. وهي ما خسرنا المعركة ولا أضعنا فلسطين إلا حينما دخلنا المعركة بغير عقيدة، وقاتلنا تحت شعار العصبية الجاهلية وتركنا شعار (الدين) .
وأننا لن نستعيد فلسطين إلا بالإيمان الصافي، والعقيدة الصادقة، والانضواء تحت راية الإسلام وراية الدين، فهذا هو الذي سيحقق النصر بمشيئة الله عز وجل. وهذا هو الذي أشار إليه الحديث فذكر كلمة (المسلمين) وتكرارها يدل على أن النصر سيكون لأصحاب العقيدة الحقة لأولئك الذين جعلوا إعلاء كلمة الله نصب أعينهم، والجهاد في سبيله هو غايتهم وهدفهم، لا تلك الدعوات البراقة التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ولا تلك الشعارات المزيفة التي كانت سببا في نكبتنا وخسارتنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(4) غنى النفس
(1) سورة الصافات، الآية: 173
(2) سورة الروم، الآية: 47