فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 183

فتهلككم:

سبب الحديث الشريف

لهذا الحديث الشريف قصة ذكرها المحدثون في كتب الحديث، وهي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها (أي جزية أهلها لأن أهلها كانوا مجوسا) فقدم بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف

فتعرضوا له، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رآهم ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين، فقالوا: أجل، فقال"أبشروا وأمّلوا ما يسرّكم".. إلخ ..

الأبحاث البلاغية:

1. (أبشروا وأملوا ما يسركم) : إنشاء طلبي والمراد بالأمر هنا (المؤانسة) فقد خرج عن أصله وهو الوجوب إلى معنى آخر وهو الإكرام وإدخال المسرة على القلب.

2.في اللفظ أيضا (أبشروا وأملوا) ما يسمى في علم البديع (بمراعاة النظير) وهو الجمع بين أمرين أو أمور متناسبة تزيد الكلام رونقا وجمالا فهنا لفظ (أملوا) متناسب جدا مع أبشروا.

3. (فوالله ما الفقر أخشى عليكم) جملة خبرية لإفادة المخاطب الحكم الذي تضمنته الجملة ويسمى (فائدة الخبر) وقد جاء مؤكدا بالقسم (فو الله) وفيه أيضا من الناحية البلاغية (تقديم ما حقه التأخير) للعناية به والاهتمام والأصل (والله ما أخشى عليكم الفقر) .

4.في لفظ (ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم) مقابلة لطيفة، فإن الفقر يقابله الغنى وهو المعبر عنه بلفظ (تبسط الدنيا) أي تفتنوا وبسط الدنيا المراد منه سعة الرزق فهو (كناية) عن الغنى.

5. (فتنافسوها كما تنافسوها) فيه تشبيه يسمى (مرسلا مجملا) أي تتسابقون إلى الدنيا كما تسابق من قبلكم من الأمم (فتهلككم كما أهلكتهم) وفي هذا أيضا تشبيه كسابقه أي فتكون سببا لإهلاككم مثل ما أهلكت من سبقكم بحبهم للدنيا وتكالبهم عليها.

الأبحاث النحوية:

(أملوا ما يسركم) : أملوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، (ما يسركم) : ما الموصول بمعنى الذي مفعول به، (ما الفقر) : ما نافية والفقر مفعول مقدم و (عليكم) متعلق بأخشى، (أن تبسط) : أن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول به، و (الدنيا) : نائب فاعل.

ترجمة راوي الحديث:

راوي الحديث هو (عمرو بن عوف الأنصاري) البدري حليف بن عامر بن لؤي، أصله من المدينة المنورة، وقد نزل مكة وحالف بعض أهلها، فهو أنصاري المولد لأنه من أهل المدينة ومهاجري لأنه هاجر مع الصحابة بعد إقامته الطويلة بمكة المكرمة، وقد شهد بدرا مع رسول الله (ص) فهو من أهل بدر اتفاقا، أخرج ابن الأثير في أسد الغابة عن ابن اسحاق أنه قال: ممن شهد بدرا (عمرو بن عوف) مولى (سهيل بن عمرو) وقال هكذا جعله ابن اسحاق مولى وجعله غيره حليفا ولم يكن له عقب (أي نسل وذرية) ، وروايته للأحاديث الشريفة قليلة رضي الله عنه وعن سائر أصحاب رسول الله أجمعين، ونسأله تعالى أن يجمعنا بهم في مستقر رحمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت