فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 183

الشرح الأدبي:

رضي الله عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كانوا رجالا وأبطالا وتربوا في (مدرسة الإيمان) مدرسةمحمد عليه الصلاة والسلام، فلم تشغلهم الدنيا، ولم تفتنهم زينة الحياة!! لقد كانوا مع شدة فقرهم وقلة ما لديهم من مال، وشدة حاجتهم، واضطرارهم، أعزة النفوس، أعفاء كرماء، كما وصفهم الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز حيث قال"للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا" [1] .

ها هم أولاء ـ رضوان الله عليهم ـ يسمعون بقدوم أبي عبيدة ـ رضي الله عنه ـ من البحرين بمال عظيم بعد أن فتح الله على المسلمين البلاد، فيوافون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر يؤدون الصلاة معه، وحين يعزم الرسول على الدخول إلى بيته يتعرض إليه هؤلاء الفقراء بأدب ووقار .. لا يسألونه أن يقسم عليهم المال، فقد كان الحياء يمنعهم من إبداء حاجتهم واضطرارهم حتى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعرضون له كأنه يريدون السلام عليه، ولكن الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم يدرك ـ بقوة البصيرة ـ غرضهم، ويعرف هدفهم فيبتسم لهم ابتسامة الرضا والاطمئنان ويبشرهم بحصول مطلوبهم، فيقول:"أبشروا وأملوا ..."

إنها لتربية كريمة وتوجيه سليم، وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه إليه فهو في هذه الحالة لا يترك إسداء النصح لهم، ولا يقصر في توجيههم الوجهة الصحيحة فيلفت أنظارهم بكلامه العذب الجميل إلى معان سامية رفيعة ينبغي ألا تغيب عنهم، وألا يغفلوا عنها، وهي أن هذه الحياة الدنيا بما فيها من زخرف ومتاع وما تحويه من زينة وبهرج، لا تستحق أن يشقى الإنسان من أجلها وينصب. بل عليه أن يأخذ منها ما يكفيه وأن يهتم بما يكون سببا لسعادته في الآخرة ..

فالإنسان مهما جمع من مال وكدس من ثروة، تبقى نفسه متطلعة إلى المزيد وصدق رسول الله حيث قال:

"لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاَ، ولن يملأ فم ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب".. !

ما أكرم هذا التوجيه النبوي الخالد، الزاخر بالحكم والمواعظ، (ابن آدم ... عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك .. ابن آدم لا بقليل تقنع، ولا بكثير تشبع .. ابن آدم إذا أصبحت معافي في بدنك، آمنا في سربك ـ أي أهلك ووطنك ـ عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء) .

فالعاقل ينبغي ألا يشغل نفسه بالشيء التافه ويترك الشيء النفيس، فكل ما في هذه الحياة الدنيا من متع وشهوات ومن فتن ومغريات، ومن زينة وبهرج، ليس طريقا لسعادة الإنسان، لأن السعادة الحقيقية ليست بالأملاك والقصور ولا بالذهب والفضة، ولا بالمتاع والرياش، إنما هي في تقوى الله وغنى النفس وراحة الضمير، وما أحسن ما قيل:

ولست أرى السعادة جمع مال ... ولكن"التقي"هو السعيد

(5) عقوق الأمهات

(1) سورة البقرة، الآية: 273

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت