فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 183

قد يتجاهل العارف بالأمر أو بالشخص أو بصفاته لأغراضٍ بلاغيّة، منها استزادة المعرفة، ومنها الاعتراف، ومنها تحقيره والتقليل من شأنه حتّى كأنه غير معروف، ومنها الإِثارة لإِفاضة البيان حوله من بعض حاضري المجلس للتعريف به مدحًا أو ذمًّا، إلى غير ذلك من إغراضٍ بلاغية، ويستعمل في التجاهل أسلوب الاستفهام.

ويمكن أن نعتبر من أمثلة الاستفهام المستعمل في التجاهل ما جاء في سورة (الأنبياء) ضمن عرض قصة إبراهيم عليه السلام لمّا حطّم أصنام قومه إذْ تخلف عنهم يوم خرجوا ليلهوا في عيد لهم، قال الله عزَّ وجلَّ فيها:

{قَالُوا مَن فَعَلَ هَاذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُو ا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَاذَا بِآلِهَتِنَا ياإِبْرَاهِيمُ (62) } ؟.

(25) شرح الاستفهام المستعمل في التحقير والاستهانة والاستهزاء:

وقد يستعمل الاستفهام أسلوبًا من أساليب تحقير المستَفْهَم عنه والاستهانة به، لأنّ الاستفهام يشعر بأنّ المستَفْهِمَ غَيرُ مهتَمٍّ بما يَسْتَفْهِمُ عنه، ولا مكثرتٍ له لحقارته في نفسه، واستهانته به، ثم صار الاستفهام يدلُّ على التحقير والاستهانة بمساعدة قرائن الحال أو المقال:

أمثلة:

* قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الأنبياء) في بيان بعض مواقف الذين كفروا من الرسول صلى الله عليه وسلم:

{وَإِذَا رَأَىكَ الَّذِينَ كَفَرُو ا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَاذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَانِ هُمْ كَافِرُونَ (36) } ؟.

* وقول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الفرقان) في ذلك أيضًا: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَاذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) } ؟.

لقَدِ احتقروه واستهزؤُوا به أوَّلًا إِذْ بعثه الله رسولًا، فسورة الفرقان قد نزلت قبل سورة الأنبياء، ثم احتقروه واستهزؤوا به دفاعًا عن أوثانهم بعد أنْ أَبَانَ أنَّها حجارةٌ لا تضُرُّ ولا تنفَعُ.

(26) شرح الاستفهام المستعمل في الاكتفاء:

وذكروا أنّ الاستفهام قد يستعمَلُ لبيان الاكتفاء، ومثلوا له بقول الله عزَّ وجلَّ في سورة (العنكبوت) :

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (68) } ؟.

* ويقول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الزمر) :

{*فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (32) } ؟.

{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (60) } ؟.

أي: يكفيهم عقابًا لَهُمْ مَثْواهُمْ في جَهَنَّمَ يوم الدين.

أقول: الأقرب اعتبار هذه الأمثلة من الاستفهام المستعمل في التهديد والوعيد والترهيب.

(27) شرح الاستفهام المستعمل في الاستبعاد:

وَكثيرًا ما يُسْتَخْدمُ الاستفهام للدلالة على استبعاد المستفهم عنه، والتشكُّك في حدوثه.

أمثلة:

* قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الدخان) بشأن الدخان الذي هو أحد أشراط السّاعة: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَاذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ (14) } .

أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى؟: أي: تَذَكُّرُهُمْ واتِّعاظُهُمْ أَمْرٌ مُسْتَبْعَد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت