الصفحة 42 من 76

كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز في ذَمِّ الدنيا كتابًا طويلًا فيه:

أما بعد ..

فإن الدنيا دار ظعن وليست بدار مقام، وإنما نزل إليها آدم عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين؛ فإن الزاد منها تَرْكُها، والغنى فيها فقرُها؛ تُذل من أعزها، وتفقر من جمعها؛ كالسُّمِّ يأكله من لا يعرفه وهو حَتْفُه؛ فاحذر هذه الدار الغَرَّارة الخالبة الخداعة، وكن أسرّ ما تكون فيها؛ أَحْذَرَ ما تكون لها، سرورها مشوب بالحزن، وصفوها مشوب بالكدر؛ فلو كان الخالق لم يُخْبر عنها خبرًا ولم يضرب لها مثلًا لكانت قد أيقظت النائم ونبَّهت الغافل؛ فكيف وجاء من الله عنها زاجر! وفيها واعظ، فما لها عند الله سبحانه قَدْر ولا وزن، ما نَظَرَ إليها منذ خلقها.

ولقد عرضت على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - مفاتيحها وخزائنها، لا ينقصه عند الله جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، وكره أن يحب ما أبغضه خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه، زواها عن الصالحين اختيارًا وبسطها لأعدائه اغترارًا؛ فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها! ونسي ما صنع الله بمحمد - صلى الله عليه وسلم - حين شد على بطنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت