الصفحة 34 من 89

وهو: (( تصفية العمل من كل شائبة، بحيث لا يمازج هذا العمل شيء من الشوائب في الإرادات، وأعنى بذلك إرادات النفس، إما بطلب التزين في قلوب الخلق، وإما بطلب مدحهم، والهرب من ذمهم، أو بطلب تعظيمهم، أو بطلب أموالهم، أو خدمتهم، أو محبتهم، أو أن يقضوا له حوائجه، أو غير ذلك

من العلل والشوائب والإرادات السيئة التي تجتمع على شيء واحد، وهو: إرادة ما سوى الله عز وجل بهذا العمل، وعليه: فالإخلاص هو توحيد الإرادة والقصد، أن تفرد الله عز وجل بقصدك وإرادتك فلا تلتفت إلى شيء مع الله تبارك وتعالى )) [1] .

قال ابن القيم -رحمه الله-: (( العمل بغير إخلاص ولا إقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملًا ينقله ولا ينفعه، فهو ليس له من هذا الجراب وهذا الحمل إلا التعب، فمن حمل التراب على ظهره، فإن ذلك لا ينفعه؛ لأنه لا نفع فيه ) ) [2] .

قوله: (كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ) أي: ما أوجد الله تعالى الثقلين إلاّ لحكمة عظيمة جليلة وهي: عبادة الله وحده لاشريك له، وترك عبادة ماسواه، وأفادت: أن الخلق لم يخلقوا عبثًا، ولم يتركوا سدى.

فقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} خبر مستعمل في التعريض بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خُلقوا عليها فخالفوا سنتها اتباعًا لتضليل المضلين.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

والاستثناء مفرغ من علل محذوفة عامة على طريقة الاستثناء المفرغ.

واللام في {لِيَعْبُدُونِ} لام العلة، أي ما خلقتهم لعلة إلا علة عبادتهم إياي. والتقدير: لإِرادتي أن يعبدون، ويدل على هذا التقدير قوله في جملة البيان: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذريات:57] [3] .

قال ابن كثير -رحمه الله: (( معنى الآية: أنه تبارك وتعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتَمَّ الجزاء، ومن عصاه عَذَّبه أشد العذاب ) ) [4] .

وقال ابن تيمية -رحمه الله: (( إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه، ومحبته والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وبرؤيته في الآخرة تَقَرّ عيونهم، ولا شيء يعطيهم في الدنيا أعظم من الإيمان به، وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألههم كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم وربوبيته إياهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة: بدون ذلك بحال، بل من أعرض عن ذكر ربه:

{فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] )) [5] .

فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ اللهَ خَلَقَكَ لِعِبَادَتِهِ: فَاعْلَمْ أَنَّ العِبَادَةَ لا تُسَمَّى عِبَادَةً إلاََّ مَعَ التَّوحِيدِ، كَمَا أَنَّ الصَّلاَةَ لا تُسَمَّى صَلَاةً إلاَّ مَعَ الطَّهَارَةِ، فإذا دَخَلَ الشِّركُ في العِبَادَةِ فَسَدَتْ، كالحَدَثِ إذَا دَخَلَ في الطَّهَارَةِ.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) "مدارج السالكين" (2/ 92) .

(2) "الفوائد" (ص 49) .

(3) انظر"التحرير والتنوير"للطاهر ابن عاشور (/) .

(4) "تفسير ابن كثير" (4/ 239) .

(5) "مجموع الفتاوى" (1/ 23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت