الصيد - قد يقع فيه الإنسان، وهو تعبير لطيف يناسب التخويف من الشرك والحذر منه والحث على العناية بالتوحيد والاهتمام به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن أصل (شبكة الشرك) والتي أوقعت صاحبها في الضلال، قائمة على أمرين: سوء الظن بالله، وعدم تقدير الله تعالى حقَّ قدره.
قال المقريزي -رحمه الله-: (( اعلم أنك إذا تأمَّلتَ جميع طوائف الضلال والبدع: وجدتَ أصل ضلالهم راجعًا إلى شيئين: أحدهما: ظنهم بالله ظن السوء. والثاني: أنهم لم يَقْدُروا الرَّبَ حق قدره ) ) [1] .
قوله: (قال الله تعالى فيه: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: الآية 48] ) .
قال ابن كثير -رحمه الله- (( أخبر تعالى أنه(لا يغفر أن يشرك به) أي: لا يغفر لعبد لَقِيَه وهو مُشْرِك به. (و يغفر ما دون ذلك) أي: من الذنوب، (لمن يشاء) أي: من عباده )) [2] .
وقال الشنقيطي-رحمه الله-: (( ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء، وأن من أشرك به فقد افترى إثما عظيما. وذكر في مواضع أخر أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك، فإن تاب غفر له، كقوله: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} الآية فإن الإستثناء راجع لقوله: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} وما عطف عليه، لأن معنى الكل جمع في قوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} الآية. وقوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} . وذكر في موضع آخر: أن من أشرك بالله قد ضل ضلالا بعيدا عن الحق، وهو
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله .. {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا} .
وصرح بأن من أشرك بالله فالجنة عليه حرام ومأواه النار بقوله: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ} وقوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} .
وذكر في موضع آخر: أن المشرك لا يرجى له خلاص، وهو قوله: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} وصرح في موضع آخر: بأن الإشراك ظلم عظيم بقوله عن لقمان مقررا له: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} .
وذكر في موضع آخر: أن الأمن التام والاهتداء، إنما هما لمن لم يلبس إيمانه بشرك وهو قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} وقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أن معنى (بظلم) :بشرك )) [3] .
(1) "تجريد التوحيد" (ص 79) .
(2) "تفسير ابن كثير" (2/ 325) .
(3) "أضواء البيان" (1/ 393 - 394) .