قال ابن القيم -رحمه الله-: (( إن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له، وأشد مقتًا لديه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قُرْبان حَرَمه، وحَرّم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه وتعالى، ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونسائهم وأبنائهم ... وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتَنَقُّص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين )) [1] .
فهذا كله (( يوجب للعبد شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه عند الله، لأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم، وتنقص لرب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره وعدل غيره به، كما قال تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: الآية 1] ولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر مناف له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعته، والذل له، والانقياد لأوامره الذي لا صلاح للعالم إلا بذلك، فمتى خلا منه خرب وقامت القيامة، كما"قال صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله"رواه مسلم. ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى ومشاركة في خصائص الإلهية: من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع، الذى يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء، والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق وجعل من لا يملك لنفسه ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، شبيهًا بمن له
(1) "إغاثة اللهفان" (1/ 60) .