الصفحة 18 من 39

وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {آل عمران 190 ـ 191}

يبدو أن التعدي على موارد البيئة، بإتلافها أو استنزافها، يعوقها عن أداء تلك الوظيفة التعبدية بشقيها، بل إن استعمالها من جانب فرد أو أفراد من أجل منفعة لا تتناسب مع ذلك، وما ينشأ عن ذلك من إضرار بالآخرين الذين يتقاسمون الانتفاع بتلك الموارد هو نوع من التعسف في استعمال الحق غير مشروع.

الوظيفة الثانية ـ جمالية ترفيهية: ذلك أن الله تعالى خلق موارد البيئة مختلفة الألوان والأشكال؛ لإدخال البهجة على نفس من استخلفه في عمارة الأرض [1] ، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} {فاطر: 27، 28} وقال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} {الأعراف: 32} .

وهنا لايسوغ شرعًا الاعتداء على تلك الموارد، لما في ذلك من تعطيل لها عن أداء وظيفتها.

الوظيفة الثالثة ـ حياتية معاشية: قوامها الانتفاع بالموارد الطبيعية في المأكل والمشرب ... فلا يجوز للفرد أن يفتئت على حقوق الغير .. [2] ""

القسم الثاني ـ ما يمكن حيازته: وذلك يشمل ما يجري عليه الملك من موارد البيئية كامتلاك العقارات، والحيوانات، ووسائط النقل، فهذه الأشياء يجوز حيازتها في أسباب مشروعة ترجع مآلًا إلى العمل (الربح: عائد التنظيم، الأجر: عائد العمل، الريع: عائد الأرض [3] ، وهذه تنحصر سلطة مالكها أو المنتفع بها كالمستأجر بالعناية، والامتناع عن أذية الغير حالًا أو مآلًا، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا(57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) } {الأحزاب:57،58} .

وكما أن الثروات الخاصة شرع الله تعالى لها من أحكام التشغيل والصدقات والميراث ما يكفل دورانها بين أفراد الأمة بأسرع من أربعين سنة لكل دورة لرأس المال مهما كان عقارات منقولة أو غير منقولة أو ثروة نقدية، فإنّ الله تعالى جعل تجديد الموارد البيئية من أهم الأعمال التي ينهض بها المسلم لا بل هي مقصد من مقاصد وجوده على ظهر البسيطة، يقول تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) } [الأعراف] .

إنّ العناية بأعيان البيئة ذات الملكية الخاصة أو العامة حتى لوكانت من أملاك الأعداء [4] تأتي على شكل مغرم لا بد منه مقابل المغنم من الانتفاع بتلك الأعيان ولو مآلًا أي ليست بحوزة صاحب الحق.

(1) جل البديع بذي الطبيعة أبهجَ ... خلق الجمال، فكان سحرًا مبهجا

من قصيدة أنشدها الشيخ مشاري بن راشد في ألبومه: ذكريات.

(2) سلامة، د. أحمد عبد الكريم، حماية البيئة في الفقه الإسلامي مجلة الأحمدية دبي العدد الأول المحرم 1419 هـ ص 300 - 302 بتصرف.

(3) الطحاوي، د. إبراهيم، الاقتصاد الإسلامي،1/ 225.

(4) إن الحكم الوارد في مثل قوله تعالى مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (الطور:5) هو من قبيل الاستثناء من الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت