الصفحة 19 من 39

ولا يجوز نكاية بعدو اليوم حرمان أبناء الغد إذ لانملك الحكم عليهم رجمًا بالغيب؛ الله أعلم بأعمالهم.

فنقول: إن العناية بالتوازن البيئي هي المقابل لحيازة الإنسان لأعيان البيئة أو انتفاعه بها [1] ويشهد لما نقول القاعدة الفقهية الشهيرة: )) الغرم بالغنم [2] (( .

مسألة ـ ركائز الحفاظ على البيئة:

اعتنى الإسلام بالصحة البيئية وهي الشروط المادية لبقاء الأجناس الحية، والتي يعتبر الإنسان بوصفه خليفة الله في أرضه مسؤولًا عن بقائها واستمرارها على وجه الصحة والعافية، تمامًا كما هو مسؤول عن بقائه وبقاء أبناء جنسه، وفي ما يلي نقاط لابد من الإشارة إليها في موضوعنا تعد ركائز الحفاظ على البيئة من المنظور الإسلامي:

1 ـ النظافة والتطهير: اعتبرت الطهارة شرطًا من شروط بعض العبادات، وخاصة الصلاة، وأوردت السنة آدابًا كثيرة في النظافة والاغتسال والتطيب وحسن الهندام، خاصّة في المناسبات العامة كـ صلاة الجمعة و العيدين، وحثت على إماطة الأذى أيًا كان حجمه أو ضرره ولوصغيرًا عن الطرق والسبل.

2 ـ الحفاظ على صحة الإنسان: دعت النصوص في القرآن والسنة إلى الحفاظ على الصحة؛ بدءًا من الدعاء بطلب العافية، إلى الوسائل التي تجلب العافية، ومنها المحافظة على نقاء البيئة لئلا تنشأ بؤر تصبح مباءة للأمراض المعدية والفتاكة.

3 ـ التشجير والتخضير: حضت آيات وأحاديث كثيرة على الغرس والزرع، لا بل إن الزرع والشجر المثمر دخل في الوجدان الديني للأمة الإسلامية، وبات الفرد الصالح يشبه بالشجر المثمر، فمن ذلك ما رواه ابن عمر - رضي الله عنه - أنّ النبي صلى الله عليه و سلم قال: (( ما شجرة لا يسقط ورقها وهى مثل المؤمن أو قال المسلم ) )، قال: فوقع الناس في شجر البوادي، قال ابن عمر: ووقع في نفسي أنّها النخلة، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:(( هي النخلة قال فذكرت ذلك لعمر فقال لأن تكون قلتها كان أحب إلى من كذا وكذا [3] .

ومن أعظم الأدلة على هذه الرعاية الإسلامية للغطاء الأخضر من السنة النبوية ما رواه أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم(( ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة [4] .

4 ـ العمارة والتثمير: اعتبر الراغب الأصفهاني (502 هـ) في كتابه > أن عمارة الأرض أحد مقاصد خلق الإنسان، لقوله - فيما رواه عنه سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِىَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ [5] » .

5 ـ المحافظة على الموارد، فقد نهى المولى تعالى بني البشر عن المسّ بموارد الأرض المهيّأة للعمران البشري، فقال جل علاه: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} {الأعراف: 56} ، والإفساد يكون بالإتلاف وتفويت المنافع، أوالتلويث والإسراف، أو بإشاعة الظلم والباطل والشرّ، ولذا نهى النبي - رجلًا أن يذبح شاة حلوبًا، وفي السنة إنذار لمن يقتل طيرًا أو حيوانًا بغير منفعة، أو يتخذ شيئًا فيه روح هدفًا للتصويب عليه [6] ، كما أنّ بها حثًّا على الاستفادة حتى من جلد الميتة [7] .

6 ـ الإحسان إلى البيئة: الإحسان كلمة تتضمّن الإتقان والشفقة والإكرام، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يميل للقطة الإناء حتى تشرب ثمّ يتوضّأ بفضلها، وكان بعض الخلفاء مثل عمر بن عبد العزيز يكتب إلى عماله ألا يحملوا الإبل ما لا تطيق، وألا يضربوها بالحديد، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة يقول: قال النبي صلى الله عليه و سلم(( تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا هو لم يعط فيها حقها تطؤه بأخفافها وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم تعط فيها حقها تطؤه بأضلافها وتنطحه بقرونها وقال ومن حقها أن تحلب على الماء [8] .

المحافظة على البئة من الإتلاف: نهى الإسلام عن إتلاف أحياء البيئة أو حتى أعيانها الجامدة كالتربة والماء الجاري والراكد .. سواء كان ذلك بدافع الغضب أو العبث أو الإهمال أو في العمليات الحربية، ولذا قال المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون:"ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب."ومن يتابع الجرائم الأمريكية في فيتنام والعراق يتأكد من رحمة المسلمين بغيرهم وبالبيئة حتى في العمليات العسكرية والحروب [9] .

مسألة ـ علاقة الإنسان بأعيان البيئة من حيث الملك والانتفاع:

(1) حول الملك والانتفاع يمكن التوسع عند الإمام القرافي في الفروق وشرحه (إدرار الشروق) لابن الشاط في الفرق الثمانين بعد المائة،3/ 364 من ط 1 دار الكتب العلمية بيروت 1418 هـ-1998 م.

(2) قاعدة الغنم بالغرم: شرح أدب القاضي للخصاف، للصدر الشهيد،2/ 292، خاتمة مجامع الحقائق، للخادمي، 45 ـ 47، حرف العين، حجة الله البالغة، 2/ 169، القضاء، مجلة الأحكام العدلية، م/87، القواعد الفقهية، للندوي، 305، بلفظ: الغرم مقابل الغنم، و 374، بلفظ: الغرم بالغنم.

والمهم: أن القاعدة مستنبطة من حديث )) الخراج بالضمان (( وتعبر عن مفهوم المخالفة، ويبنى عليها كثير من الأحكام، وهذا ما ذهب إليه شاه ولي الله، في حجة الله البالغة، 2/ 169.

وأما )) الخراج بالضمان (( ، فقد أخرجه صاحب: مسند أحمد، 6/ 49، رقم 24270، و 6/ 237، عن عائشة، ودرءًا للإطالة أقف عند تصحيحه في: سنن أبي داود، 2/ 670، رقم 2994/ 3508، وقال: حسن، صحيح ابن ماجه، 2/ 22، رقم 1822/ 2243، وقال: حسن، صحيح سنن الترمذي، 2/ 25، رقم 1033/ 1308، وقال: حسن، صحيح سنن النسائي(المجتبى) ، 3/ 935، رقم 4182، وقال الألباني: كما سبق آنفًا في كتبه: حسن.

(3) أحمد، الإمام أحمد بن حنبل، المسند، مسند عبد الله بن عمر.

(4) البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه، ومسلم في الصحيح، كتاب: المساقاة، باب فضل الغرس والزرع.

(5) رواه أبوداود في سننه، كتاب الخراج، باب في إحياء الموات، وصححه الألباني، وأورده البخاري تعليقًا بصيغة الجزم في كتاب المزارعة وقفًا على عمر بن الخطاب، و ذكر رواية الرفع عن عمر وابن عوف بصيغة تمريض أيضًا تعليقًا، في كتاب المزارعة، باب من أحيا أرضًا مواتًا.

(6) لما رواه البخاري في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما (( أنه دخل على يحيى بن سعيد وغلام من بني يحيى رابط دجاجة يرميها فمشى إليها ابن عمر حتى حلها ثم أقبل بها وبالغلام معه فقال ازجروا غلامكم عن أن يصبر هذا الطير للقتل فإني سمعت النبي صلى الله عليه و سلم نهى أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل ) )، كتاب الذبائح والصيد، باب ما يكره من المثلة، والمصبورة والمجثّمة.

(7) الحديث رواه مسلم في كتاب الحيض باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، عن ابن عباس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوحَةٍ أُعْطِيَتْهَا مَوْلاَةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «أَلاَّ أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ» .

(8) البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة.

(9) مدونة ناصر حاكمي الجزائري، 8/سبتمبر/ 2007 م، عن محاضرة وكتاب للشيخ د. يوسف القرضاوي، رعاية البيئة في شريعة الإسلام، وتابعه مصطفى عاشور، 8/ 2008 م نادي البيئة التطوعي، حماية البيئة فريضة شرعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت