قال ابن الهمام (861 هـ) : الْمِلْكُ هُوَ قُدْرَةٌ يُثْبِتُهَا الشَّارِعُ ابْتِدَاءً عَلَى التَّصَرُّفِ [1] .
ويشرح الإمام القرافي (684 هـ) : التصرف والملك كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه والعبارة الكاشفة عن حقيقة الملك: أنه حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك، والعوض عنه من حيث هو كذلك. ثم ساق عن الإمام المازري (536) [2] (في شرح التلقين) قوله: الأعيان لا يملكها إلا الله تعالى، لأن الملك هو التصرف، ولا يتصرف في الأعيان إلا الله تعالى؛ بالإيجاد والإعدام والإماتة والإحياء، ونحو ذلك، وتصرف الخلق إنما هو في المنافع فقط بأفعالهم من الأكل والشرب والمحاولات والحركات والسكنات .. وتحقيق الملك أنه إن ورد على المنافع مع ردّ العين فهو الإجارة، وفروعها من المساقاة والمجاعلة والقراض، ونحو ذلك، وإن ورد على المنافع مع أنه لا يرد العين بل يبذلها لغيره بعوض أو بغير عوض؛ فهو البيع، والهبة والعقد في الجميع إنما يتناول المنفعة فقد ظهر بهذه المباحث حقيقة الملك، والفرق بينه وبين التصرفات، وما يتوهم التباسه به [3] .
وقد درس د. عبد الله بن عبد العزيز المصلح [4] ،الملكية وخاض في حدها وقرر أن التعريف المختار: (علاقة شرعية بين الإنسان والشيء المملوك تخول صاحبها الانتفاع، والتصرف وحده ابتداءً إلا لمانع)
نلاحظ أن د. المصلح مال في حد الملك إلى تعريف الحنفية، لدقته وشموله، وقد أقرت الدراسات الحديثة هذه النظرة إلى الملكية، وهي في جوهرها (حقٌّ بالتصرف والحيازة)
من المعلوم ضرورة أن الشريعة الإسلامية تُستقى بشكل رئيس من الكتاب والسنة، والذي يعنينا هنا هو الأحكام التي رتبها الباري تعالى على المكلفين صونًا للبيئة:
1 ـ ضبط التصرف في الملك العام والخاص بما يكفل الحفاظ على التوازن البيئي، وهو ما عبر عنه الله تعالى بالإصلاح، قال تعالى على لسان نبيه شعيب: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} {هود:88} ، وقال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) } {الأعراف:56، 57} .
وقد بحث السادة العلماء والأساتذة في ضوابط الحرية الفردية والجماعية (الجماعات والأنظمة الحكومية) في ما يتعلق بالملكية وطرق تحصيلها والعمل بها منهم: أ. محمد الحاج الناصر بقوله: الشرعية هي المدار الوحيد لكل تصرف وتصريف في الأرض وما عليها، يمارسه الإنسان حاكمًا أو محكومًا فإذا انتفت الشرعية من أي تصرف أو تصريف زالت عمن يمارسه واستحال وضعه باعتباره موظفًا بالخلافة إلى
(1) ابن الهمام الحنفي، شرح فتح القدير، ط 1، 1415 هـ ـ 1995 م، دار الكتب العلمية، لبنان ـ بيروت، 6/ 230.
(2) المازري (453 ـ 536 هـ) هو: محمد بن علي بن عمر التميمي، أبو عبد الله، محدث، من فقهاء المالكية، نسبته إلى مازر بجزيرة صقلية، ووفاته بالمهدية، من مصنفاته: المعلم بفوائد مسلم، في الحديث، والتلقين، في الفروع، وغيرها، الأعلام للزركلي،6/ 277.
(3) القرافي، أبو العباس، أحمد بن إدريس الصنهاجي، الفروق، ط 1 دار الكتب العلمية بيروت 1418 هـ -1998 م، الفرق الثمانون والمائة،3/ 364 و 373.
(4) عميد كلية الشريعة وأصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -أبها كما جاء على غلاف كتابه.