الصفحة 21 من 39

وضع يتعين النظر في كيفية إعادته إلى الشرعية أو إعادة الشرعية إليه أو رفعها عنه نهائيًا.

وبيان ذلك أن التصرف في المال (الأعيان البيئي تدخل ضمن هذا المصطلح) وظيفة اجتماعية، حظ الفرد منها ما يصلح حاله ويحفظ وجوده، ويؤهله أن يكون عنصرًا مفيدًا صالحًا في مجتمعه؛ فهو إذًا داخل في إطار المعنى الاجتماعي لوظيفته، فإذا تجاوز حدود وظيفته بأن أغفل المعنى الاجتماعي لها أو لم يغفله، ولكن تعدى في ممارسته لها مقتضيات العدالة وهي أساس سلامة المجتمع؛ فقد الأهلية كليًا أو جزئيًا للاستمرار فيها، وتعين على ولي الأمر إما تصحيح سيره وتقويم مساره، وإما إقصاؤه إذا فقد المؤهل كليًا [1] .

ويقترب أ. محمد الحاج من الشيخ علي الخفيف في هذه النظرة التي نرى فيها ميلًا جماعيًا سوّغ بعضه الأستاذ الحاج في صفحات تالية للمذكورة في حاشيتنا [2] .

وكأني بهذا التيار متأثرًا بفكر الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، في رأيه حول كنز المال، أما نحن فنرى ما رآه معظم الصحابة في أن الزكاة والصدقات تطهر المال وتمنع كنزه، فعن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال أعرابي أخبرني قول الله {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} {التوبة:34} .

قال ابن عمر رضي الله عنهما:(( من كنزها فلم يؤدي زكاتها فويل له؛ إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال [3] .

وهذا حقيقي فالزكاة تعيد تدوير السيولة النقدية في الأمة خلال أربعين سنة بشكل 100% بمعدل 2.5% سنويًا. ليس هذا فحسب بل تعيد تدوير كل الأعيان المنقولة التي ينتفع بها -إذ كل الأعيان المنقولة يتاجر بها- فتنتظمها زكاة العروض التجارية والمحاصيل الزراعية على الخلاف المشهور في تفصيلها.

إن ضبط التصرف له في الشرع الإسلامي مجال شرعي ديني أكثر منه مصلحي سياسي أي أن ضبط التصرف ونزع الملكية (الزكاة مثلًا فيها نوع نزع ملكية جزئي) ، له سبل في أكثرها عبادات، وعقوبات منصوص عليها (كالحجرعلى السفيه) ، أو تقييدات محدودة (كالحجر على اليتيم حتى يرشد) ويبدو أن إيصاد هذا الباب إلا بشروط مشددة كان لحكمة هي درء تحكم أهل النفوذ بممتلكات الناس تحت الغطاء الديني.

2 ـ ضبط التصرف (المحاسبة على التصرف) : فأحكام الشريعة الإسلامية قائمة على التكليف أي المسؤولية والمحاسبة (المسؤولية الجزائية) وهي جميعها تقييدات مصلحية للأنشطة الإنسانية، وهذه المصلحية ظاهرة الحكمة في جميع الأحكام أما علتها وسبب وجوبها فهو تعبدي لا اجتهادي.

والقول بضبط التصرف بالأعيان البيئية مأخوذ من مصدرين تشريعيين:

1 ـ نصوص الكتاب والسنة ما كان عامًا، أوخاصًا موجبًا أومحرّمًا لجملة من التصرفات بأعيانها؛ كتحريم قطع الشجر بغير حاجة، وما يقاس على هذه التصرفات من أفعال تتفق معها في العلة، كتحريم حرق الأشجار قياسًا على حرمة

(1) الناصر، أ. محمد الحاج، الإسلام وانتزاع الملك للمصلحة العامة، الفصل 19 ص 570.

(2) للتوسع عند الخفيف، الشيخ علي في بحثه (الفكر التشريعي) المقدم للمؤتمر السادس مجمع البحوث الإسلامية بحوث اقتصادية وتشريعية 1391 هـ -1971 م الشركة المصرية للطباعة والنشر.

(3) البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، كتاب الزكاة، باب ما أدى زكاته فليس بكنز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت