ومن أبرز ما يدل علي تلك الظاهرة"نظام الحسبة"الذي اشتهر بين المسلمين، وبدأ منذ عهد النبوة، ثم في عهد الخلفاء الراشدين، ولا سيما عمر، ثم نما واتسع في العهود التالية، وخصوصا عهد العباسيين، وهو نظام يجمع بين الإرشاد والرقابة والقضاء والتنفيذ. وقد وزعت اختصاصاته في عصرنا علي عدة دوائر أو وزارات ومؤسسات. ولكن المحتسب كانت له منزلة خاصة، وهيبة خاصة، وسلطة خاصة، حتى إنه كان يحتسب علي المعلمين والقضاء والأئمة والوعاظ والأمراء أنفسهم. . [1]
7: مؤسسة الحسبة:
ولها دور كبير في الإشراف والإرشاد والرقابة والتأديب، وقد كانت تتدخل في كثير من أمور الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، وسنتحدث عنها بتفصيل أكثر [2] .
قال القرضاوي:"ومن قرأ بعض كتب الحسبة يتبين له هذه الحقيقة جلية كالشمس، كما نري في نهاية الرتبة في طلب الحسبة) للشيزري، ومثله لابن بسام المحتسب، وفي معالم القربة في آداب الحسبة للقرشي، وفي نصاب الاحتساب للسنامي."
إن مؤسسة (الحسبة) نكاد لا نجد لها نظيرا في الحضارات الأخرى، فهي تختص في شطر كبير منها بالعمل علي التطبيق العلمي للفتاوى والأحكام المتعلقة بالحفاظ علي البيئة كالمنع من التلوث، سواء كان تلوثا مباشرا بمختلف الملوثات الغازية والسائلة واليابسة، أم كان تلوثًا غير مباشر بالإخلال بالتوازن الكمي والكيفي للمكونات البيئية.
وقد سجلت لنا المدونات الكثيرة في الحسبة كيف كانت هذه المؤسسة تسهر عمليا بأجهزتها وأعوانها علي المراقبة الدورية الدائبة في مختلف المدن والأرياف الإسلامية، لأحوال المصانع والمتاجر والأسواق وحظائر الحيوانات ومزارع الخضر والفواكه، لتمنع كل ما من شأنه أن يلوث البيئة من أدخنة وعفونات وسموم، ومن إتلاف لأشجار وحيوانات، وذلك للحفاظ عليها من الخلل المضر بالحياة في صوره المختلفة. وحينما ينضم هذا الإجراء العلمي التطبيقي الذي دأبت عليه الحضارة الإسلامية للصيانة من التلوث إلى تلك الفتاوي والأحكام النظرية المواكبة للتطور الحضاري في هذا الشأن، فإنه يتبين مدي ما كانت عليه الحضارة الإسلامية من رفق بالبيئة بالحفاظ عليها من التلوث، ومدي ما أنجزت في ذلك نظريًا وعمليًا.
وإذا نظرنا نظرة مقارنة في هذا الشأن بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، فإننا نجد أن الحضارة الغربية لم تكن تصحبها في نشأتها ولا في لاحق أطوارها ثقافة توجه إلي صيانة البيئة من التلوث؛ ولذلك فقد كان التلوث يصاحبها ويتطور بتطورها، حتي وصل إلي ما وصل إليه من وضع خطير، حينما بلغت هي أوجبها من التطور، وحينئذ أصبحت مشكلة تؤرق أهل هذه الحضارة الذين غدوا لا يهتدون إلي حل ناجح لها لما بلغت من مدي بعيد في التراكم والتفاقم [3] ، وذلك بخلاف الحضارة الإسلامية فهي كما سبق صاحبها منذ نشأتها ما يؤدي إلى صيانة البيئة والمحافظة عليها.
(1) المرجع السابق صـ 246.
(2) المرجع السابق صـ 244.
(3) المرجع السابق صـ 246، 247