فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 63

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دفع مع النبي - يوم عرفة فسمع النبي - وراءه زجرًا شديدًا وضربًا وصوتًا للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال:"أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالابضاع" [1]

فإذا كان الخالق العظيم قد هيأ الليل للسكينة والهدوء لتستعيد الكائنات الحية

وعلى رأسها الإنسان، نشاطها وحيويتها، وتستمر في عطائها وتعمر الكون كما أراد الله، فهل حافظ الإنسان على تلك السكينة وذلك الهدوء؟ لا، بل إنه أتى من السلوك والأفعال ما يكسر صفاء ذلك السكون والهدوء، من خلال استخدام الآلات التي تنبعث عنها الأصوات العالية التي قلبت الليل إلى نهار فاختل نظام حياة الناس، وانعكست على أوضاعهم الصحية.

قد أضحت تلك النعمة في خطر بسبب تزايد معدلات الصوت والضجيج والضوضاء العالية، وهو خطر لا يهدد فقط بزوالها وإصابة الشخص بالصمم، بل كذلك بالتأثير في الجوانب الصحية الأخرى العصبية والقلبية [2] .

ب ـ النهي عن رفع الصوت وإحداث الضوضاء

1 -نهي الله تعالى عن رفع الصوت، كما في قوله تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [3]

وجه الدلالة:

في الآية أمر جازم عام بغض وخفض الصوت، والأمر بخفض الصوت يدل هنا على الندب المؤكد، لا مجرد الإرشاد، لوجود القرينة التي تستقبح رفع الصوت، وهي تشبيه الصوت المرتفع بصوت الحمير الذي تألفه الأذن السليمة، ومن هنا نستخلص أنه من آداب الإسلام ومندوباته غض الصوت وعدم رفعه أو الجهر به لغير حاجة.

2 -وقد ورد في الأثر أيضًا عن السائب بن يزيد قال: كنت قائمًا في المسجد فوجدت رجلين، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب يقول: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما قال: من أنتما أو من أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل بدر لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله -" [4] ."

وجه الدلالة:

يدل الحديث على كراهة رفع الصوت عمومًا واستقباح فعله، لما في ذلك من ذهاب بالسكون والهدوء وإضرار بحاسة السمع التي تفضل حاسة البصر، كما ترشد بذلك الآيات التي أوردناها. حيث تذكر السمع قبل البصر، بما يدل علي أهميتها وضرورتها وشدة الحاجة إليها، بما ليس في شأن البصر. [5]

3 -قال تعالى: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [6]

(1) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه 2/ 601، كتاب الحج، باب أمر النبى - بالسكينة ثم الإفاضة وإشارته إليهم بالسوط، الحديث رقم: (1587) ، صحيح سنن أبي داود 2/ 362، حديث رقم 1689.

(2) قانون حماية البيئة الإسلامي مقارنًا بالقوانين الوضعية د/ أحمد عبد الكريم سلامة صـ 338، 339.

(3) من الآية"19"من سورة لقمان.

(4) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه 1/ 179، أبواب المساجد، باب رفع الصوت في المساجد، الحديث رقم: (458) .

(5) قانون حماية البيئة الإسلامي مقارنًا بالقوانين الوضعية د/ أحمد عبد الكريم سلامة صـ 339 ـ 341.

(6) من الآية"110"من سورة الإسراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت