فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 44

2 -وأما قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [1] فإن هذه الآيات من آخر ما نزل في الجهاد، وقد سبقها قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا} [2] ، فأمر بإتمام العهود إلى مدتها، وقدمها على آية الأمر بالقتال إشارة إلى أن ذلك هو الأصل، وبعدها قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [3] فهذا دليل على اعتبار العهود وأنها الأصل في العلاقات، وفهم النصوص يتم على ضوء ربطها وجمعها وفهم دلالتها، وقد خص من الآية بالإجماع من لا يجوز استهدافهم في الحرب بنصوص أخرى، وظاهر الآية لا يفهم منه ذلك.

ويناقش الاستدلال بهذه الآية أيضًا بأن المقصود بالمشركين هم الذين نقضوا العهد وظاهروا على المسلمين [4] على ضوء ما سبق.

ونوقش الاستدلال بها أيضًا: أنه مخصوص بنصوص أخرى كمثل قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ ? ? ? ?} ، فإنه لا تعارض بين هذه الآية وآية التوبة وما جاء في معناها، لأن آية التوبة فيها الأمر بقتال الكفار إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفًَا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه آية الأنفال، وكما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم.

3 -وأما قوله تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} [5] ، فالمعنى لا تبدؤوا الكفار بالقتال، وقد فسرها الإمام الطبري رحمه الله بقوله: (( لا تكونوا أولى الطائفتين صرعت لصاحبتها، ودعتها إلى الموادعة(السلم) ، وأنتم أولى بالله منهم والله معكم )) [6] ، وذكر ابن كثير رحمه الله في تفسير جواز وضع المهادنات إذا رأى الإمام ذلك لمصلحة معتبرة فقال: (( ولهذا قال: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} أي: في حال علوكم على عدوكم، فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المعاهدة والمهادنة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين صده كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم إلى ذلك ) ) [7] .

فالآية لا تعني عدم المسالمة مطلقًا إنما الابتداء بها.

4 -وأما قوله - صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» ، أن الحديث ليس على عمومه، ولوجود أدلة أخرى، ونوقش كذلك بأن المراد بالناس في هذا الحديث هم: مشركوا العرب فقط، لأن أهل الكتاب لهم أن يعطوا الجزية إذا لم يدخلوا في الإسلام، فكلمة

(1) التوبة: 5.

(2) التوبة: 4.

(3) التوبة: 7.

(4) انظر: الكشاف للزمخشري 2/ 175.

(5) محمد: 35.

(6) انظر: تفسير الطبري 22/ 188.

(7) انظر: تفسير ابن كثير 7/ 323.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت