فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 44

الأمر على النهي قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [1] ، وفي وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - قدمت البشارة على النذارة، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [2] ، ومن صفته - صلى الله عليه وسلم - أيضًا تقديم الأمر على النهي، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [3] .

وفي هذا من استعمال أساليب الحكمة والإقناع وتحصيل هذه الغاية بأقصر وأيسر الطرق، ولهذا ذكر شيخ الإسلام في تقرير مختصر يرد به على من ادعى أن آية السيف ناسخة للمجادلة، مبينًا أن أمر دعوة أهل الكتاب ومحاورتهم باقية حتى بعد آية السيف، وآية السيف هي قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [4] ، يقول شيخ الإسلام [5] : (( وهذه آية السيف مع أهل الكتاب، وقد ذكر فيها قتالهم إذا لم يؤمنوا حتى يعطوا الجزية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأخذ من أحد الجزية إلا بعد هذه الآية، بل وقالوا: إن أهل نجران أول من أخذت منهم الجزية، كما ذكر ذلك أهل العلم كالزهري وغيره، فإنه باتفاق أهل العلم لم يضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - على أحد قبل نزول هذه الآية جزية، لا من الأميين ولا من أهل الكتاب، ... فإذا كان أول ما أخذها من وفد نجران عُلِمَ أن قدومهم عليه ومناظرته لهم ومحاجته إياهم وطلبه المباهلة معهم كانت بعد آية السيف التي فيها قتالهم، وعُلِم بذلك أن ما ذكره الله تعالى من مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا محكم لم ينسخه شيء، وكذلك ما ذكره الله تعالى من مجادلة الخلق مطلقًا بقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [6] ، فإن من الناس من يقول آيات المجادلة والمحاجة للكفار منسوخات بآية السيف، لاعتقاده أن الأمر بالقتال المشروع ينافي المجادلة الشرعية، وهذا غلط، فإن النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضًا للحكم المنسوخ ) ).

والمجادلة المأمور بها هي الحوار [7] ، فالحكمة في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} هي: العلم النافع والعمل الصالح، ومراعاة حال المخاطب حسب حاله وفهمه وقبوله وانقياده، وهذه المرتبة الأولى، (( فإن انقاد المدعو بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق أو كان داعية إلى الباطل فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلًا ونقلًا ) ) [8] ، وهذا هو مدلول الحوار، وقد اجتمع اللفظان في قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [9] ، وهذا الأسلوب هو الذي أمرنا الله به

(1) آل عمران:110.

(2) الأحزاب:45.

(3) الأعراف:157.

(4) التوبة:29.

(5) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 2/ 109.

(6) النحل:125.

(7) انظر: أصول الحوار وآدابه في الإسلام، لمعالي الشيخ د. صالح بن حميد/212، (ضمن مجموعة معالم في منهج الدعوة.

(8) تيسير الكريم الرحمن/452.

(9) المجادلة:1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت