فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 131

والقرآن الكريم يذكر الإنسان بتلك الرحلة التي قطعها منذ أن كان نطفة في رحم أمه، إلى أن ولد وصار رضيعاً مدة عامين، ويذكره أن تلك الرحلة لم تتم في الفراغ، ولم تتم كذلك بين يوم وليلة، ولكن كان وراءها تضحيات ودموع، وآمال، وآلام، وجهد، وتحمل، ومعاناة، وفرح، وحزن، وترقب، وأن الأم قامت في ذلك كله بالدور الأكبر، فهي التي كابدت مشاق الحمل البالغة وتحملت آلامه، وأتعابه، في شهور تسعة معدودة بأيامها ولياليها، وصباحها ومسائها، وساعاتها، ودقائقها، وثوانيها، بما فيها من حرٍّ وبرد، وشدة وسعة، وظمأ وري، وجوع وشبع، وحزن وفرح، في عافية أو مرض. كما كابدت الأم مرحلة الوضع بكل ما فيها من آلام مبرحة لا يعلم شدتها إلا الله سبحانه، ولكن تلك الآلام تهون في ساحات الأمومة الحنون الرؤوم، والأم تمني النفس بوليد يخرج إلى الوجود، بإذن الله سالماً، وإن أعيقت هي في سبيله، وإن تحرك مشرط الطبيب في عملية قيصرية ليخرج وليدها سليماً معافى، فهي بذلك راضية فرحة، ناسية لكل ما عانته من آلام الحمل والوضع، وغاية ما تتمناه - وهي تعاني ذلك - أن ترى وليدها يرقد بجوارها سليماً قرير العين، فتلك اللحظة تنسيها كل الآلام والأتعاب.

إن القرآن الكريم يثير هذه الذكريات وتلك الشجون في نفس الإنسان ليذكرها جيداً ويعيها في بؤرة ذاكرته فلا ينساها فيذكر بذلك فضل والدته وما تحملت في سبيله، ويذكر جهد الوالد في الحماية والرعاية، والسعي المتواصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت