إن المتأمل في الآيات القرآنية التي تناولت موضوع بر الوالدين سيتضح له - وبكل جلاء - أن الهدي القرآني في الموضوع هدي كامل شامل شاف، جاءت أساليبه وألفاظه، وصيغه على أكمل صورة وأجملها وأوفاها في بيان مستفيض، لمكانة الوالدين وحقهما في البر والإحسان بما بذلا وقدّما، كما جاء النهي عن عقوقهما بطريق الدلالة [1] ، وذلك كله في أسلوب تربوي رقيق جميل مشرق بقوة الألفاظ وجزالتها ووضوح المعاني ودقتها، وشرف الغاية ووسيلتها يجمع بين جمال وسمو التوجيه أمراً أو نهياً، مع استثارة العاطفة التي قد تفتر، أو تخبو لدى البعض مع مرور الأيام، انشغالاً بالزوجة، والأبناء، والبنات، ومشاكل الحياة عموماً، فتصبح مجرد ذكريات باهتة في النفس. والأسلوب القرآن الجميل يحرك هذه العاطفة، ويستثيرها، لتكون مواقف تشكل معالم بر وإحسان ووفاء وحب للوالدين، وليترجم ذلك إلى أقوال وأفعال تدل على ما استقر في نفوس الأبناء من عاطفة صادقة، ومشاعر كريمة تجاه الوالدين، فيرى الناس صورة البر بالوالدين مثلاً حياًّ يترجم تلك المعاني النبيلة التي غرسها هدي القرآن الكريم في نفوس الأبناء فيحتذي بها آخرون وبهؤلاء المحتذين يحتذي آخرون، وهكذا تعم صور البر بالوالدين لتصبح من
(1) أي بطريقة دلالة فحوى الخطاب.