فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 131

أما (المَعْلم الثالث) من معالم الهدي القرآني في بر الوالدين فهو يتمثل في تلك الألفاظ الجامعة المانعة في الدلالة على المطلوب فعله أو تركه، وهي ألفاظ سهلة قليلة المبنى كثيرة المعنى، محكمة فلا يُفهَم منها ما يناقض المراد ولا يرد عليها ما يخالفها، وهي ليست بعيدة عن حس الإنسان وحياته وتصوره، ومن هذه الألفاظ: (البِرُّ- الإحسانُ - الشكرُ- الصحبةُ- القولُ الكريمُ- خفضُ الجناحِ - الأفُّ - النَّهرُ) .

فالبِرُّ مصدر: بَرَّ. واللفظة مشتقة من (البَرِّ) وهو الفضاء الواسع من الأرض التي لم يغطها الماء، فالبَرُّ في مقابلة البحر [1] .

فالبِرُّ: هو التوسع في فعل الخير فلا تحديد لأكثره. وجميع ما أمر الله تعالى به من مكارم الأخلاق وشرعه في كتابه الكريم وفي سنة نبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فهو من البر، قال الله تعالى: ... [2] . والبر هو التقوى، قال الله تعالى: ... [3] والبر يكون بمعنى الصلة، وبمعنى اللطف والمبرة، وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة. وهذه الأمور هي من مجامع حسن الخلق. وبر الوالدين: التوسع في الإحسان إليهما. وجاء الثناء على نبي الله يحيى - عليه السلام - ببره بوالديه، قال الله تعالى: ... [4] . كما ورد الثناء أيضاً على نبي الله عيسى - عليه السلام - ببره بوالدته، قال الله تعالى: ... [5] ، و (برٌّ) أبلغ من (بارٍّ) كما أن (عدْلاً) أبلغ من (عادل) ، وإذا كان مدار كلمة (البر) على التوسع في الإحسان للوالدين وبذله بشتى الطرق والوسائل وأن الكلمة مشتقة من (البَرِّ) أي الأرض الواسعة في مقابلة كلمة (البحر) [6] ، فإن إيثار القرآن الكريم لهذه اللفظة دون سواها من الألفاظ التي قد تقاربها في الدلالة على المعنى المراد يدل دلالة واضحة على ما ينبغي أن يبذله الولد من الاجتهاد والحرص في إكرام والديه والبر بهما، بذْلاً يتلاقى ويتعانق فيه ظاهر حاله وفعله مع كرم مقاله، وصدق جنانه، وكل معروف وصل منه إلى والديه فهو من البر، وتختلف صور البر بالوالدين من

(1) انظر: المصباح المنير للفيومي (17) ، مختار الصحاح للرازي (19) ، مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (114 - 115) .

(2) سورة البقرة، الآية (177) .

(3) سورة البقرة، الآية (189) .

(4) سورة مريم، الآية (14) .

(5) سورة مريم، الآية (32) .

(6) انظر: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي (190 - 191) ، وكذلك: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروز آبادي (2/ 211 - 213) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت