كلام إبراهيم - عليه السلام- من اللين والرقة، فدلَّ ذلك على أن الأب كان قاسي القلب بعيد الفهم، شديد التصلب في الكفر )) [1] ، والعجيب في رد الأب نداؤه لابنه بقوله ... فهو (( تكملة لجملة الإنكار والتعجب؛ لأن المتعجَّب من فِعْلِهِ مع حضوره يقصد بندائه تنبيهَه على سوء فعله كأنه في غيبة عن إدراك فعله، فالمتكلم ينزله منزلة الغائب فيناديه لإرجاع رشده إليه ) ) [2] ، وهذا دليل آخر على صلف وشدة كفر هذا الأب وتحجر عواطفه بدليل تهديده لابنه بالرجم وهو (الرمي بالحجارة، وهو كناية مشهورة في معنى القتل بذلك الرمي ) ) [3] وطلبه من ابنه هجرانه، (( ولم يخبره بأنه هو يهجره ليدل على أن هذا الهجران في معنى الطرد والخلع إشعاراً بتحقيره ) ) [4] ، وذلك دليل آخر على عجرفته وغطرسته وشدة شكيمته في كفره.
وفرق كبير بين الإيمان والكفر، وبين الخير والشر، فالمؤمن بإيمانه هداه ربه إلى الطيب من القول، فهو يقول للناس الكلامَ الطيبَ ويبذل لهم القول الحسن وهو دوماً يدفع بالتي هي أحسن. وجاءت مقالة إبراهيم - عليه السلام- لأبيه تحمل معاني الإيمان والرحمة، فهو - عليه السلام- برغم رد أبيه المتناهي في القسوة والصلف لَمْ ينس بره بأبيه وعطفه عليه وأدبه معه، فكانت
(1) المصدر نفسه (16/ 118) .
(2) المصدر نفسه (16/ 119) .
(3) المصدر نفسه (16/ 120) .
(4) المصدر نفسه.