فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 131

على أن هناك عبداً وربًّا، عبداً يَعبُد وربًّا يُعبَد، وأن ليس وراء ذلك شيء، وأن ليس هناك إلا هذا الوضع وهذا الاعتبار ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود، وإلا ربٌّ واحد والكل له عبيد [1] .

فمن أدرك هذه الحقيقة بقلبه وعقله وآمن موقناً بها، وكانت حركته في حياته وفق مقتضياتها فاز ونجح وسعد في دنياه وأخراه، ومن انحرف عن ذلك وقع في هوة السقوط السحيقة ولقي الخسران والبوار في الدنيا والآخرة.

فعبادة الله تعالى هي أشرف وأكرم وأعظم غاية يصل إليها الإنسان في هذه الحياة ويدركها، وفي ذلك إدراك لفطرته التي فطره الله عليها، والشرائع السماوية جاءت بهداية الإنسان إلى هذه الفطرة، ودلالته عليها بشتى أنواع الأدلة.

والعبادة معنى واسع شامل ينتظم كل أعمال المسلم وأقواله، وهي (( اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك: هي من العبادة لله تعالى ) ) [2] . والعبادة في الإسلام ليست منفصلة عن الجانب الأخلاقي، كما في المذاهب الفلسفية، بل (( إن للعبادة-كما يذهب إليه الإمام الشاطبي - مقصداً أصلياً، ومقاصد تابعة، فالمقصد الأصلي فيها هو التوجه إلى الواحد المعبود، وإفراده بالقصد إليه في كل حال، ويتبع ذلك قصد التعبد لنيل الدرجات في الآخرة، أو ليكون من أولياء الله، وما أشبه ذلك. إلى أن يقول - رحمه الله-: ومن المقاصد التابعة صلاح النفس واكتساب الفضيلة ) ) [3] .

(( وقد جاء المنهج الإلهي الكريم ليتمم مكارم الأخلاق، وليرسي في الناس أسمى ألوان المثل العليا، والفضائل السامية، كالصبر، والمثابرة، والسماحة، والسخاء، والصدق، والتراحم، والمواساة، والأمانة، وغيرها من القيم التي تقوم عليها عظمة الفرد والمجتمع، والتي تحقق للإنسان سعادته في الدنيا والآخرة، فللعبادة - بأنواعها- مهمة تأسيسية في الأخلاق الكريمة، ودعمها، وبذر بذورها في نفس المؤمن ووجدانه ) ) [4] دائماً، فحركة المؤمن في الحياة ذات هدف أخلاقي نبيل، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) )

(1) انظر فيما تقدم: في ظلال القرآن، المجلد السادس، الجزء (27/ 3387) .

(2) العبودية لابن تيمية (4) .

(3) المنهاج القرآني في التشريع، للدكتور/ عبدالستار فتح الله سعيد (454) .

(4) المنهاج القرآني في التشريع، للدكتور/ عبد الستار فتح الله سعيد (454) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت