قضاء أمر.
قال القرطبي في تفسيره: (( القضاء يستعمل في اللغة على وجوه: فالقضاء بمعنى الأمر، كقوله تعالى ... [1] ، معناه: أمر. والقضاء بمعنى الخلق، كقوله: ... [2] بمعنى خلقهن. والقضاء بمعنى الحكم كقوله تعالى: ... [3] يعني: احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ كقوله تعالى ... [4] أي فرغ منه. ومنه قوله تعالى ... [5] ، وقوله تعالى: ... [6] . والقضاء بمعنى الإرادة كقوله تعالى: ... [7] . والقضاء بمعنى العهد كقوله تعالى: ... [8] ) . انتهى كلامه - رحمه الله -. وهو اختصار لما جاء في كتاب (التصاريف) [9] ليحيى بن سلام (المتوفى عام 200 هجرية) ، فقد أوصل معاني (( قضى ) )إلى عشرة معانٍ - رحمه الله -.
ثانياً: جاء لفظ (الرب) دون سواه للدلالة على أن هذا الأمر التكليفي هو من رحمة الله بعباده وإحسانه إليهم بدلالتهم على ما ينفعهم، فمن مقتضيات الربوبية ولوازمها العناية بالمربوب وإصلاح حاله. والخطاب فيه قد يكون للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والمقصود أمته ويمكن أن يكون الخطاب لغير معين فيعم كل أحد مكلف إذ لم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - والدان يومئذ [10] .
ثالثاً: جاء الأمر بعبادة الله تعالى مقترناً بالأمر بالإحسان للوالدين دليلاً واضحاً وبرهاناً ساطعاً على مكانة هذا الإحسان وشأنه عند الله تعالى، وأنه مما لا يتسامح فيه، فإذا كانت عبادة الله تعالى هي قطب الرحى في حياة المسلم بما تدل عليه تلك العبادة من معانٍ واسعة - سبقت الإشارة إليها- وأن تلك الحياة لا تصلح إلا بها، فإن الإحسان إلى الوالدين والبر بهما هو أساس صلاح الحال في تعامل الإنسان مع الآخرين وأن النجاح في ذلك يبدأ من النجاح في الإحسان إلى الوالدين والبر بهما.
رابعاً: جاء الأمر بعبادة الله تعالى مقدماً على الأمر بالإحسان للوالدين، دليلاً على أن من صحت عقيدته في الله
(1) سورة الإسراء، الآية (23) .
(2) سورة فصلت، الآية (12) .
(3) سورة طه، الآية (72) .
(4) سورة يوسف، الآية (41) .
(5) سورة البقرة، الآية (200) .
(6) سورة الجمعة، الآية (10) .
(7) سورة مريم، الآية (35) .
(8) سورة القصص، الآية (44) . وانظر: تفسير القرطبي (10/ 237) .
(9) انظر: التصاريف ليحيى بن سلام، تحقيق: هند شلبي (340) وما بعدها.
(10) التحرير والتنوير (15/ 68) .