والبقاء وهو يرجو لهما الرحيل بسلام، وليس عنده من فطرة المحبة مثل ما عندهما. وهما اليوم عنده قد عادا في نهاية عمرهما إلى ما كان هو عليه في بداية حياته يوم أن كان عندهما ضعيفاً صغيراً لا حول له ولا قوة، فعليه أن يكرم مقامهما عنده - وهما ضعيفان لا حول لهما ولا قوة- كما أكرما مقامه عندهما، وهو ضعيف صغير لا يملك لنفسه حولاً ولا قوةً، فلا يتنكر للمعروف ويكفر الجميل إلا لئيم النفس.
إن مرحلة بلوغ الوالدين الكبر مرحلة دقيقة وحساسة فكان الولد لذلك بأشد الحاجة إلى التذكير بما ينبغي أن يكون عليه من تمام العناية بوالديه ومزيد الرعاية لهما وشدة التوقي والتحفظ من كل ما يمس بسوء جانبهما في هذه الحال على وجه الخصوص. والولد مأمور بالإحسان إلى والديه في جميع الأحوال، وخصصت حالة بلوغ أحدهما- أو كليهما- الكبر بالذكر؛ لأنها حالة تقهقر وتراجع وضعف وشعور بالوحدة وإحساس بقرب النهاية، وشدة الحاجة للولد ومظنة الملل والضجر منهما، وضيق الصدر من تصرفاتهما.
ولما كان مقامهما -أو أحدهما- عنده قد يثقل عليه ولا بد أن تبدو من خلال ذلك المقام ما يكون من ضروريات الكبر والضعف والمرض مما يستقذره الولد في بيته مما قد يدفعه إلى التضجر والضيق والتبرم فيظهر في مقاله ما يدل على ذلك أو شيء منه فقد نهى عن التفوه بأقل كلمة تدل على ذلك وذلك ما يتصل به الحديث في النقطة الثانية عشرة.