وقد شهد له بذلك صحابته -رضي الله عنهم- وذكروا أنه توفي وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لهم منه علمًا [1] ففي الرجوع إلى هذه الشريعة يزول كل لبس وينحل كل إشكال ويعرف المسلم من قواعد الإسلام كيف يعالج ما يحصل من الخلافات والنزاعات التي قد تقع بين الأفراد والجماعات، وبمعالجتها تحصل الألفة وترسخ المحبة في القلوب ويصبح المسلمون إخوة في الدين كما ذكر الله تعالى ذلك بقوله: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] .
وهذا أعظم ما يهدف إليه دين الإسلام الذي يحث أهله على التعارف والتآلف وإرساء المودة في القلوب؛ مما يحصل من آثاره التعاون على البر والتقوى والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانتصار المسلمين، وإظهار دينهم على الدين كله ولو كره المشركون.
ثم إن الله أجرى العادة أن يوجد في المسلمين كغيرهم خلافات خاصة أو عامة لأسباب خفية أو جلية كما قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}
[هود: 118، 119] . فهذه سنة الله في خلقه، ولأجل ذلك احتيج إلى نصب القضاة والأئمة وولاة الأمر لحل النزاعات وقطع الخلافات ورد المعتدي، والأخذ على يد الظالم وردعه عن التمادي في ظلمه، ورد الحق إلى مستحقه وبيان ما قد يشتبه على بعض الناس.
(1) لما روي عن أبي ذر قال: لقد تركَنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وما يحرك طائر جناحيه في السماء، إلا ذكرنا منه علما.
رواه الإمام أحمد (5/ 153) رقم (20854) . وكذا الطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد المقرئ وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسمَّ.
انظر: مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي، المجلد الثامن، كتاب علامات النبوة (36) ، باب فيما أوتي من العلم (23) .