ثم اعلم بأنه لما كان المقصود من لبس إزاره وردائه استمطار سحب آلاء اللّه ونعمائه، والتذلل في الوقوف بكريم فنائه، ألزم فيه العبد المخالفة في هيئته المعروفة، وأمر بمجانبة الرفاهية، ومباينة الملاذ المألوفة، ونطر إلى أشرف أعضائه وألطف أجزائه، فخوطب بامتهانه وكشفه، ليعد إلى باب الله طالبًا للطفه، ومن تعرى لله في الدنيا يكسى الحلل في العقبى.
يروى أن امرأة عابدة حجَت، فلما دخلت مكة/ [203 أ] وجعلت تقول: أين بيت ربي أين بيت ربي؟ فقيل لها: هذا بيت ربك، فاشتدت نحوه تسعى، حيث ألصقت جبينها بحائط البيت، فما رفعت إلاّ ميّتة.
وقال سعيد بن جبير (1) : رأيت امرأة جاءت، فقامت في الملتزم، فجعلت تدعو وتبكي حتى ماتت.
(1) سعيد بن جبير: (45 - 95 هـ، 665 - 714 م) . هو سعيد بن جبير الأسدي بالولاء، الكوفي، أبو عبد اللّه، تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق، وهو حبشي الأصل، من موالي بني والبة بن الحارث، من بني أسد، أخذ العلم عن عبد اللّه بن عباس، وابن عمر، ثم كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه قال: أتسألونني وفيكم ابن أم دهماء؟ يعني سعيدًا. ولما خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على عبد الملك بن مروان كان سعيد معه إلى أن قتل عبد الرحمن فذهب سعيد إلى مكة فقبض عليه واليها (خالد القسري) وأرسله إلى الحجاج فقتله بواسط.
قال الإمام أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيدًا وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه.