لابد لهذه الجناية من عقوبة، إما قصاص، وإما تعزير، فإذا جوز أن يعزر تعزيرًا غير مضبوط الجنس والقدر، فلأن يعاقب إلى ما هو أقرب إلى الضبط من ذلك أولى وأحرى ... ».
ثم بين أن القصاص إنما يكون بحسب الإمكان، فقال: «العدل في القصاص بحسب الإمكان، ومن المعلوم أن الضارب إذا ضرب مثل ضربته، أو قريبًا منها كان هذا أقرب إلى العدل من أن يعزر بالسوط، فالذي يمنع من القصاص في ذلك خوفًا من الظلم يبيح ما هو أعظم ظلمًا مما فرَّ منه، فعلم أن ما جاءت به السنة أعدل وأمثل» [1] .
وقال ابن القيم: «ومأخذ القولين: أن الله تعالى أمر بالعدل في ذلك، فيبقى النظر في: أي الأمرين أقرب إلى العدل؟ فقال المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكان العدل يقتضي العدول إلى جنس آخر، وهو التعزير، فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حد، ولا في القطع إلا من مفصل، لتمكن المماثلة، فإذا تعذرت في القطع والجرح صرنا إلى الدية، فكذا في اللطمة ونحوها، لما تعذرت صرنا إلى التعزير.
قال المجوزون: القصاص في ذلك أقرب إلى الكتاب والسنة والقياس والعدل من التعزير.
أما الكتاب: فإن الله سبحانه وتعالى قال: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [2] ، وقال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [3] ، ومعلوم: أن المماثلة مطلوبة بحسب الإمكان، واللطمة أشد مماثلة للطمة، والضربة للضربة من التعزير لها، فإنه ضرب في غير الموضع غير مماثل لا في الصورة ولا في المحل ولا في القدر، فأنتم فررتم من تفاوت لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين، وصرتم إلى
(1) انظر: مجموع الفتاوى 34/ 163.
(2) سورة الشورى، الآية: 40.
(3) سورة البقرة، الآية: 194.