مثل ما فعل» [1] .
5 -ويؤكد هذا ما ذكر القاضي عبدالوهاب (ت 422 هـ) بقوله: «المماثلة في القصاص معتبرة في ثلاثة أشياء: أحدها: في صفة الفعل، كالجراح والقطع، والثاني: في المحل كاليمنى، واليسرى، والرأس وغيره، والثالث: فيما يستوفي به القصاص، وهو الآلة كالمحدد والمثقل، والنار والتغريق، وما أشبه ذلك» [2] .
وما ذكرناه هو ما عبَّر به ابن اللحام (ت 803 هـ) عن شيخه ابن تيمية [3] .
وقد حكاها ابن تيمية في ثنايا كلامه في عدة مواطن من كلامه [4] ، وهي بهذا اللفظ أكثر شمولًا من غيرها؛ لأن فيها قيدًا مهمًا يدخل الصور المستثناة من القاعدة.
اختلف الفقهاء في اعتبار هذه القاعدة وصحتها على قولين:
القول الأول: أن هذه القاعدة صحيحة، وهي المعمول بها عند تخريج الفروع الفقهية، فالجاني يقتص منه على الصفة التي قتل بها، وبمثل الآلة التي استعملها في القتل، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، منهم المالكية في المشهور [5] ، والشافعية [6] ، والحنابلة في رواية [7] .
وقد استدلوا بعدة أدلة منها:
1 -قوله تعالى: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [8] .
2 -قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [9] .
وجه الاستدلال: بين الله سبحانه أن العقاب يكون بالمثل، والمثل هو العدل، فيكون القصاص من القاتل بمثل ما قتل به عقوبة بالمثل، وهذا عين العدل [10] .
3 -قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} [11] .
سبب النزول: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلًا، ومن المهاجرين ستة فيهم حمزة بن عبدالمطلب - رضي الله عنه -، فمثلوا به، فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لَنَرْبَيَّن عليهم، قال: فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله هذه الآية [12] .
وجه الاستدلال: قال ابن تيمية: «التمثيل في القتل لا يجوز إلا على وجه القصاص حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثل بهم بعد القتل، ولا نجدع آذانهم وأنوفهم، ولا نبقر بطونهم، إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا، فنفعل بهم مثل ما فعلوا، والترك أفضل [13] .
4 -قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [14] .
(1) انظر: المغني 11/ 512، 529.
(2) التلقين له ص 475.
(3) انظر: الاختيارات العلمية ص 293، وهو ضمن الفتاوى الكبرى لابن تيمية 5/ 524، جمع وترتيب ابن اللحام له.
(4) انظر: مجموع الفتاوى 18/ 167، 20/ 351، 28/ 381.
(5) انظر: التلقين للقاضي عبدالوهاب ص 475 والذخيرة للقرافي 12/ 340.
(6) انظر: الأشباه والنظائر لابن السبكي 1/ 391، التهذيب 7/ 93.
(7) انظر: المغني 11/ 529، والشرح الكبير 25/ 178، والإنصاف 25/ 178.
(8) سورة الشورى، الآية: 40.
(9) سورة البقرة، الآية: 194.
(10) انظر: مجموع الفتاوى 28/ 381.
(11) سورة النحل، الآية: 126.
(12) انظر: لباب النقول في أسباب النزول، للسيوطي ص 404 مع تفسير الجلالين، وشرح معاني الآثار للطحاوي 3/ 183، والخبر: أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن 5/ 299 برقم (3129) ، وقال:"حسن غريب من حديث أبي بن كعب - رضي الله عنه -".
(13) انظر: مجموع الفتاوى 28/ 314 بتصرف، وانظر: شرح تهذيب سنن أبي داود لابن القيم 6/ 342.
(14) سورة البقرة، الآية: 179.