الصفحة 5 من 25

وهذا التقسيم يعارضه حديث المرأة التي كانت تصرع ووعدها النبي صلى الله عليه وسلم الجنة على صبرها وهذا دليل تفضيل الصبر على المرض على رفعه. ويعارضه ما رواه سعيد الخدري رضي الله عنه أن أبي بن كعب قال: يا رسول الله ما جزاء الحمى قال: تجري الحسنات على صاحبها فقال: اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجًا في سبيلك فلم يمس أبي قط إلا وبه الحمى (24) .

قال الذهبي:"ملازمه الحمى له حَرَّفت خلقه يسيرًا ومن ثم يقول زر بن حبيش كان أُبيٌ فيه شراسة" (25) . فأبي لم يترك التداوي بل استجلب المرض لنفسه بدعائه. وكأن مرضه سبب حدته وشراسته وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على فعله كما هو الظاهر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ولست أعلم سالفًا أوجب التداوي وإنما كان كثير من أهل الفضل والمعرفة يفضل تركه تفضّلًا واختيارًا لما اختار الله ورضى به وتسليمًا له .." (26) .

ثم إن ترك الكي لاشك أنّه أولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: (هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) (27) .

ولقوله: (من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكّل) (28) .

ومعلوم أن الكي قد يتفرد طريقًا لعلاج مرض متلف وذلك كمن أصيب بقطع في عرق من عروقه (29) .

وقد رمى سعد بن معاذ في أكحله فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بيده (30) .

ورمي أبي يوم الأحزاب على أكحله فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم (31) .

فمن ترك الكي -والحال ما ذكر- أيكون تاركًا لواجب يأثم به أم فاعلًا لفضيلة يؤجر عليها؟.

مع أن الذهبي -رحمه الله- قد نقل الإجماع على عدم وجوب التداوي (32) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت