2 -عن أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم بالطاعون في أرضٍ فلا تدخلوها وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها) (21)
ففي الحديث دليل على أنه ينبغي على المسلم أن يتعاطى الأسباب الموجبة لنجاته من الهلاك والتداوي والإذن به منها (22) .
ويمكن مناقشة الدليلين بما يلي:
أولًا: أن النصوص الشرعيّة دلت على أن الشفاء يحصل بغير التداوي المعتاد قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (الاسراء: من الآية 82) . فليس الدواء هو المتعين لرفع المرض وعليه فلا يكون تركه إلقاء بالنفس للتهلكة وهو بهذا يفارق الطعام والشراب.
ثانيًا: أنّ الحديث لم يعمّ جميع الأمراض وإنما خصّ الطاعون كما أنّه يأمرُ باجتناب الأسباب التي قد تفضي إلى المرض وحديثنا عمّن وقع في المرض. فلا يشمله الحديث.
بل وأبلغ من ذلك أنّ آخر الحديث ينهى عن الفرار من الطاعون ولو صَحّ استدلالهم بالحديث لأمرهم بالخروج من هذه الأرض ولم يأمرهم بالبقاء.
الترجيح ..
بتأمل ما سبق فإنه يظهر لي رجحان القول الأول ففعل النبي صلى الله عليه وسلم للتداوي دليل على أصل الإباحة.
وتخيير النبي للمرأة التي كانت تصرع دليل على عدم الوجوب كيف وقد اعتضد هذا بفعل جملة من السلف تركوا التداوي.
وقد أفتى مجمع الفقه الإسلامي بأن التداوي يختلف حكمه باختلاف الأحوال والأشخاص. فيكون واجبًا على الشخص إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه أو أحد أعضائه أو عجزه أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره كالأمراض المعدية.
ويكون مندوبًا إذا كان تركه يؤدي إلى ضعف البدن ولا يترتب عليه ما سبق في الحالة الأولى.
ويكون مباحًا إذا لم يندرج في الحالتين السابقتين.
ويكون مكروهًا إذا كان بفعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها (23) .