فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 46

الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على جميع أفراد الأمة، كل بقدر استطاعته وبحسب مقدرته.

(3) وأما الإجماع:

فقد اتفق إجماع المسلمين على مشروعية الحسبة بما تقتضيه من القيام بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، يقول الإمام النووى: قوله - صلى الله عليه وسلم:"فليغيره"، أمر إيجاب بإجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة في الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يعتد بخلافهم في هذا فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبع هؤلاء، ووجوبه بالشرع لا بالعقل [1] ، كما نقل الاجماع على ذلك الإمام الغزالى في الإحياء، والإمام الجصاص في أحكام القرآن [2] وغيرهم.

إن من يتأمل طبيعة الحسبة يجد أنها تتسم بجملة من الخصائص التي تميزها عن غيرها من الوظائف المشابهة لها، أو المتفقة معها في الأهداف أو القريبة منها في السلطات والاختصاصات، ويمكن إجمال خصائص الحسبة في ثلاثة أمور، هي التي تجعل صلتها بالرقابة الشرعية على المصارف المالية بعيدة إلى حد كبير، ويبدو ذلك من بيان تلك الخصائص مع موازنتها بما هو مقرر في الرقابة الشرعية، وذلك كما يلى:

يختلف سند وظيفة الحسبة عن سند الرقابة الشرعية على المصارف الإسلامية وهذا الاختلاف يبدو جليًا في كل منهما، فالحسبة ولاية، تستند في وجودها إلى قرار الإمام بتعيين ذوى الكفاءة للقيام بمهمتها، ولولا ذلك القرار لما اكتسب المحتسب وصف المشروعية فيما يقوم به، فهو بمثابة النائب أو الوكيل عن الإمام فيما يجب أن يقوم به من واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر [3] ، وفقًا لما طلبه الشارع في كتاب الله، وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ما أنعقد عليه إجماع علماء الأمة، وقد ثبت في السنة وآثار الصحابة أنهم كانوا يطوفون بالأسواق ويمنعون الغش في المبيعات، والتطفيف في الموزونات، وغير ذلك من مختلف المنكرات التي تقع في الحياة اليومية وتكدر السكينة العامة، أو تمس الأخلاق الكريمة، أو القيم الإسلامية السامية التي تظهر من سلوك الناس في حياتهم اليومية، وليست تلك التي تجرى خلف أبواب مغلقة، فإنها ذات حصانة مميزة في التشريع الإسلامى، وذلك لقوة صلتها بكرامة الإنسان وخصوصيات حياته.

ودليل ذلك ما روى عن أبى هريرة - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - مر على صبرة طعام وأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟، قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟، من

(1) شرح النووي على صحيح مسلم - جـ 2 - ص 22.

(2) إحياء علوم الدين للإمام الغزالى - السابق - جـ 7 - ص 1187، وأحكام القرآن للجصاص - جـ 2 - ص 315 - دار الفكر للطباعة والنشر.

(3) ابن تيمية - الحسبة في الإسلام أو وظيفة الحكومة الإسلامية - ص 8 - المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت