يعف به نفسه ويعيش منه أهله، ولو لم يتقاض أجرًا فإنه سوف يضار في حياته دون سبب، ومن ثم كانت مسألة تقرير الأجر مقابل التفرغ والانقطاع لصالح المؤسسة أمرًا خارجًا عن دائرة هذا الخلاف [1] ، وداخلًا في نطاق المغارم والمغانم.
ومن أسباب التجرد الكامل أن يجد الموظف في مقابل قيامه بعمله الدخل الذي يرتفع به عن التطلع لما في أيدي المتعاملين، ويكفيه عن حاجات الحياة ولوازم المعيشة وفقًا لمكانته العلمية ومنزلته الوظيفية، وقد أجاز معيار الضبط ذلك الاتجاه [2] .
ولأن عضو هيئة الرقابة الشرعية بشر وقد يعتريه من القصور أو الخطأ مايستوجب مؤاخذته على ما فعل، ولم تنص معايير الضبط على إمكانية ايقاع عقوبة بالمقصر من أعضاء هيئة الرقابة، وإن كانت قد ذكرت ذلك في حق المراقب الشرعي فقط، ولكن لايوجد ما يمنع من إنشاء نظام يتيح إحالة عضو هيئة الرقابة الشرعية إلى لجنة تختص بالتأديب إذا نسب له ما يخالف النظام المعمول به أو أصول المهنة أو ارتكاب خطأ جسيم، أو فعل مخل بالشرف والأمانة، أو استبان أنه فقد أحد شروط صلاحياته [3] ، وإذا كانت الوقائع المنسوبة له تشكل جريمة جنائية، فلا مانع أن تحال إلى سلطات التحقيق العامة للفصل فيها، ويمكن أن تبدأ العقوبات التأديبية، بتصويب رأيه، ثم العتاب عليه ثم لومه ثلاث مرات متفرقات، ثم وقف خدماته، دون تصريح بالفصل مراعاة لكرامة العلم ومكانة أهله.
ولعل في هذا القدر ما يبرز ملامح النظام الوظيفي المستقل لهيئة الرقابة الشرعية دون تشبيه له بما يمكن أن يتساوى معه في بعض الخصائص، كمهنة المحاسبة والمراجعة وأمثالها.
المطلب الثاني
أسباب المسؤولية وأطرافها
في نطاق الرقابة الشرعية على المصارف المالية
يشترط لقيام المسؤولية في مجال الرقابة الشرعية على المصارف الإسلامية أن يوجد سببها فإن هذا السبب يمثل المصدر الذي يحدد التزامات كل طرف فيها وحقوقه، وبالقطع فإن تقرير تلك الحقوق يقتضى بالضرورة تحديد أطراف تلك المسؤولية، وهذا ما يحسن بيانه في فرعين على نحو ما يلي:
الفرع الأول
أسباب المسؤولية في نطاق الرقابة الشرعية
(1) معيار الضبط للمؤسسات المالية الإسلامية رقم (1) تكوين هيئة الرقابة الشرعية وتكوينها ومقرها، د. محمد أمين قطان - السابق - ص 12.
(2) د. محمد عبد الحليم عمر - أعمال الهيئات الشرعية بين الاستشارية الفردية والمهنية المؤسسية - المؤتمر الثالث للهيئات الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية 7 - 8 أكتوبر سنة 2003،وقد نص على ذلك معيار الضبط رقم (1) في فقرته رقم (8) .
(3) د. محمد عبد الغفار الشريف - تمهين الرقابة الشرعية ودوره في تعزيز النظام الرقابي - مشار إليه: في بحث د. محمد أمين قطان - السابق - ص 16 وما بعدها، د. حسن يوسف داود - السابق - ص 26، د. نزيه حماد - السابق - ص 304، د. عاشور عبد الجواد، النظام القانونى للبنوك الإسلامية - ص 223 - المعهد العالمى للفكر الإسلامى.